مقالات الرأي

الشرعية اليمنية: من مشروع لاستعادة الدولة إلى إدارة أزمة بلا نهاية

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

بعد أكثر من عقد من الحرب، وسنوات من الدعم السياسي والعسكري والإقليمي، يحق لليمنيين أن يتساءلوا: هل ما تزال الشرعية مشروعاً لاستعادة الدولة، أم أنها تحولت إلى إطار لإدارة أزمة بلا أفق واضح للحسم أو البناء؟

لم يعد السؤال: من يملك الشرعية؟ بل ماذا تبقى من الدولة التي يفترض أن تستعيدها؟

فالمجلس الرئاسي، بوصفه ترتيبا انتقاليا، لا يزال يعمل دون سقف زمني أو آلية مساءلة واضحة، بينما تتراجع مؤسسات الدولة تدريجياً. فالشرعية ليست اعترافاً دولياً دائماً، بل عقد مع الشعب يُقاس بالإنجاز وخدمة المواطنين.

وفي المقابل، يغيب مجلس النواب عن دوره الرقابي، وتتجمد التشريعات، بينما تتحول الاستثناءات إلى واقع دائم.

أما المؤسسة العسكرية، فتصبح أمام إشكالية عميقة: حين تُصرف مكافآت خارج المنظومة الموحدة، هل يجري بناء جيش وطني أم إدارة نفوذ متعدد الولاءات؟

وفي الجانب المدني، تتآكل الرواتب، وتتراجع القدرة الشرائية، وتنهار الخدمات، لتفقد الدولة أحد أهم مقومات وجودها.

ورغم تدفق الدعم الخارجي تحت عنوان استعادة الدولة، فإن المواطن لا يرى انعكاساته، بينما تبدو الدولة أكثر حضوراً في الخطاب منها في الواقع، وكأن الجهد انصرف إلى حفظ المظهر لا بناء المؤسسات.

ولا يختلف وضع السلطات المحلية كثيراً، فالمجالس المحلية مجمدة، والتفويضات الاستثنائية تهدد بتحويل المحافظات إلى مراكز نفوذ بدلاً من وحدات دولة.

أما اقتصادياً، فبعد سنوات من الحرب، لا يزال النفط والغاز—أهم مورد سيادي—معطلاً، ما يطرح سؤالاً مباشراً: إذا كانت الدولة لا تحمي أهم مواردها، فما الذي تحميه القوات المنتشرة على الأرض؟

إن أخطر ما يواجه اليمن ليس استمرار الحرب فقط، بل الاعتياد على غياب الدولة؛ حين يصبح الانهيار طبيعياً، وتبقى المؤسسات عاجزة، بينما يستمر خطاب الدولة القائمة، تتسع الفجوة بين الواقع والصورة.

اليوم تحتاج الشرعية إلى مراجعة شجاعة قبل الدعم: تحديد سقف زمني، تفعيل البرلمان، توحيد المؤسسة العسكرية، استعادة الموارد، وربط الشرعية بالمواطن لا بالرعاية الخارجية.

فالدول لا تستمر بالاعتراف وحده، بل بالقدرة على دفع الرواتب وتقديم الخدمات ومحاسبة المسؤولين. وكلما طال غياب الإصلاحات، اقتربت الشرعية من التحول إلى إدارة أزمة بلا نهاية.

وقبل مطالبة اليمنيين بالصبر، يحق لهم أن يسألوا: أين نتائج لجنة التحقيق في مطار عدن؟ وأين رقابة مجلس النواب؟ وأين نتائج قرارات توريد الإيرادات؟ فالدولة لا تُقاس بعدد القرارات، بل بقدرتها على تنفيذها ومحاسبة نتائجها.

فحين تتراكم الأسئلة وتغيب الإجابات، وتتسع الفجوة بين القول والفعل، يصبح من الطبيعي أن يعيد المواطن تقييم معنى الدولة نفسه.

وعندها سيصبح السؤال أكثر قسوة: هل فشلت الدولة في العودة، أم أن الجميع اعتاد إدارة غيابها؟

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish