راجح باكريت.. أسد المهرة

بقلم: أوسان بن سدة
فَهِمْتُكَ وَالْمُرَادُ يُقَالُ لَحْنًا
فَقَدْ جَاءَتْ فِرَاسَتُكَ الْيَقِينَا
بهذا البيت المنسوب إلى أبو تمام أستهل حديثي عن رفيقي وصديقي الشيخ راجح باكريت، الذي لم تقذفه المصادفات إلى شواطئ المعترك السياسي، ولم تأتِ به تقلبات الحرب إلى مواقع المسؤولية. فأبو سعيد نجل أحد أبرز رجالات المهرة ابان الدولة الجنوبية، ومن أسرة نالها ما نال خيرة الكوادر الجنوبية من التهجير والإقصاء عقب حرب صيف 1994.
عرفت راجح رجلًا يمتلك فراسة سياسية وقدرة على قراءة الرجال والمواقف، وقد اختُبرت قدراته حين تولى محافظة المهرة أواخر عام 2017، في مرحلة كانت المحافظة فيها ساحة مفتوحة لصراع النفوذ وشبكات المصالح والتهريب. فقد ورث محافظة تتنازعها قوى المؤتمر والإصلاح وشبكات المصالح القبلية الشمالية، إلى جانب نشاط شبكات تهريب مرتبطة، بحسب اتهامات السلطة المحلية آنذاك، بالحوثيين، وتدخلات إقليمية جعلت من المهرة ساحة لتصفية الحسابات.
وخلال فترة قصيرة، خاض أبو سعيد مواجهات سياسية وأمنية مع مراكز النفوذ التي اعتادت التعامل مع المحافظة بوصفها منطقة نفوذ خاصة بها. وبدأ بإقصاء علي الحريزي من موقعه في السلطة المحلية، وهو المقرب من علي محسن الأحمر والحوثيين على حدا سوى، ثم اتجه إلى تقليص نفوذ الأحزاب اليمنية داخل المؤسسات والأجهزة الحكومية والأمنية.
وكانت من أبرز معاركه مواجهة شبكات تهريب الأسلحة إلى الحوثيين عبر المنافذ الحدودية والمرافئ البحرية غير الرسمية على سواحل المهرة، وهي المسارات التي تناولتها تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث الدولية، وكشفت عن دورها في إيصال الأسلحة والمكونات العسكرية إلى مناطق سيطرة الحوثيين. وفي عهده شهدت المحافظة أيضًا عمليات أمنية ضد عناصر من تنظيمي القاعدة وداعش، بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية.
لكن ما لم تستطع تلك القوى تحقيقه داخل المهرة، تحقق لها لاحقًا عبر حسابات إدارة الملف اليمني في الرياض. ففي مطلع عام 2020، استُدعي راجح إلى العاصمة السعودية للتشاور مع الرئاسة اليمنية، ليجد نفسه، محتجزًا وتحت الإقامة الجبرية، قبل أن يُقال من منصبه محافظًا للمهرة. وقد رأيت في تلك الواقعة يومها انتصارًا لحسابات علي محسن الأحمر وحلفائه، يصب في مصلحة الحوثيين وشبكات تهريب السلاح إليهم، على حساب تجربة جنوبية كان يفترض دعمها لا تقويضها.
وها هي السنوات تمضي، ليعود أبو سعيد إلى مواجهة تجربة تذكّره بمرارة ما جرى له مطلع عام 2020، ولكن هذه المرة وهو ضمن وفد رسمي يمثل قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ذهب إلى الرياض استجابة لدعوة من مكتب وزير الدفاع السعودي عقب أحداث يناير الماضي.
وتكتسب شهادة راجح باكريت الأخيرة أهميتها من أنه لم يكن مراقبًا للأحداث من بعيد، بل أحد أعضاء الوفد الذي عاش ملابساتها. فما أورده عن ظروف استقبال الوفد، ومصادرة هواتف أعضائه واحتجازهم والتحقيق معهم، يضع الرواية السعودية بشأن حل المجلس الانتقالي الجنوبي أمام أسئلة جوهرية عن ظروف صدور ذلك الإعلان، ومدى حرية المشاركين في اتخاذ القرار والتعبير عن إرادتهم ودحض الرواية التي روج لها الاعلام السعودي حينها.
وفي تقديري، فإن هذه الشهادة لا يجوز اختزالها في خلاف سياسي عابر، لأنها تتصل بمصداقية المسار الذي قُدّم للرأي العام باعتباره حوارًا جنوبيًا، بينما يروي أحد المشاركين فيه وقائع مختلفة تستوجب توضيحًا رسميًا ومراجعة جادة.
ولعلني هنا أتذكر ما غناه فناننا العدني محمد سعد عبدالله:
يا اللي خليتوا الأسد يخرج يثور
لو غضب بايسويكم عشاه
لم تُحسن الرياض، في تقديري، التعامل مع الحالة السياسية الجنوبية، حين استنسخت أساليب اعتادت استخدامها في إدارة علاقاتها مع نخب وقوى السلطة والأحزاب اليمنية، دون أن تدرك الفوارق العميقة بين تلك النخب وقضية شعب له تاريخه وتضحياته وتطلعاته السياسية.
وهذا ما أوصلنا إلى كل حرف كتبه أسد المهرة راجح باكريت. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص التحذيرات أو غياب الفرص لتصحيح المسار، وإنما في الإصرار على إدارة قضية الجنوب بعقلية لم تستوعب طبيعتها، ولا حجم التحولات التي شهدتها المنطقة.
ومع ذلك، لا تزال أمام الرياض فرصة لتدارك ما حدث وإعادة تطبيع علاقاتها مع المجلس الانتقالي الجنوبي والجنوب عمومًا، على قاعدة الاحترام والشراكة الحقيقية. فنحن أمام لحظات مصيرية تهدد الجميع، وأي استمرار في إضعاف الجنوبيين وتفكيك جبهتهم سيهدد حائط الصد أمام تمدد الحوثيين جنوبًا، بما يحمله ذلك من مخاطر على عدن وباب المندب وأمن الجزيرة العربية ولملاحه والمصالح الدولية . واستعادة الثقة مع الجنوب اليوم أقل كلفة بكثير من مواجهة عواقب خسارته بيد محور إيران غدًا.




