إغلاق ميناء الشحر يشل الحركة التجارية ويهدد مصادر عيش آلاف الأسر في حضرموت (ريبورتاج مصور)

حضرموت نيوز – خاص
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لتعزيز حضورها الاقتصادي وتوسيع نفوذها التجاري عبر الموانئ والمنافذ البحرية، يواجه ميناء الشحر التاريخي بمحافظة حضرموت توقفًا مستمرًا لنشاطه التجاري منذ أغسطس الماضي، بقرار من خارج المحافظة، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن دوافع إغلاقه وتداعياته الاقتصادية والمعيشية على المدينة وأبنائها، في ظل ما يصفه متضررون بأنه تضييق على أحد الشرايين الاقتصادية المهمة في ساحل حضرموت.
ويثير استمرار إغلاق الميناء، رغم الوعود بإعادة تشغيله، مخاوف واسعة بشأن مستقبل النشاط التجاري في الشحر وضواحيها، خصوصًا أن انعكاسات القرار لم تقتصر على حركة السفن والبضائع، بل امتدت إلى الأسواق التجارية ومصادر دخل آلاف العاملين والأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على نشاط الميناء، ولا سيما في قطاع استيراد المركبات.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات بشأن دور القوى النافذة في مؤسسات الرئاسة والحكومة والشرعية، ومدى مراعاتها للمصالح الاقتصادية لمحافظة حضرموت والمحافظات المجاورة، في وقت تحتاج فيه المناطق الساحلية إلى تنشيط منافذها التجارية والاستفادة من موقعها البحري، بدلًا من تعطيلها وترك تداعيات الإغلاق تتفاقم على حساب المواطنين.
ميناء تاريخي يتحول إلى عبء على المدينة
لا تقتصر أهمية ميناء الشحر على كونه منفذًا بحريًا للنشاط التجاري، بل يستمد مكانته من إرث تاريخي ارتبط بتجارة اللبان، حين كان خطًا حيويًا رئيسًا في حركة التجارة القديمة، بما يمثله ذلك من دلالة على الدور الاقتصادي الذي اضطلعت به المدينة عبر تاريخها.
غير أن هذا المرفق، الذي ارتبط اسمه بحركة التجارة ومصالح السكان، بات منذ أغسطس الماضي خارج دائرة النشاط المعتاد، في ظل استمرار إغلاقه وتعثر استئناف عملياته، وهو ما انعكس سلبًا على حيوية المدينة وأسواقها التجارية، وأثار استياءً إزاء تجاهل رمزيته التاريخية ودوره في خدمة المواطنين.
ويعيد هذا التوقف إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن الحديث عن تنمية الاقتصاد المحلي وتعزيز الإيرادات ومكافحة الاختلالات، بينما يظل ميناء حيوي معطلًا، وتتحمل المدينة وسكانها كلفة توقفه؟
مكافحة التهريب لا تعني تعطيل الميناء
وفي ظل ما يُتداول بشأن وجود مخالفات تتعلق بالتهريب أو التجاوزات الجمركية، فإن معالجة هذه الملفات، متى ثبتت صحتها، تقتضي اتخاذ إجراءات رقابية وقانونية واضحة، لا اللجوء إلى تعطيل الميناء بأكمله وحرمان المدينة من نشاطه التجاري.
فمكافحة التهريب وحماية الإيرادات العامة مسؤولية لا خلاف عليها، لكن تحقيقها يتطلب ضبط المخالفات والاختلالات، ومحاسبة المتورطين، وتفعيل الحوكمة والرقابة الجمركية، وتعزيز إجراءات التفتيش، وضمان جودة الواردات والتزامها بالمعايير القانونية، بما يحفظ للدولة حقوقها وللمواطنين مصالحهم الاقتصادية والمعيشية.
أما استمرار الإغلاق، من دون معالجة جذرية للمشكلات التي يُقال إنها وراء القرار، فيضع علامات استفهام حول جدوى الإجراءات المتخذة، ومدى التناسب بين معالجة المخالفات المفترضة والأضرار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على تعطيل الميناء.
خمسة آلاف موظف.. وخمسة آلاف أسرة أمام المجهول
وتتضاعف المخاوف مع ما يُتداول عن ارتباط قرابة خمسة آلاف موظف وعامل بنشاط الميناء، خصوصًا في مجال استيراد المركبات، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة بشأن مصير مصادر دخل آلاف الأسر في الشحر وضواحيها، في ظل توقف النشاط الذي تعتمد عليه شريحة واسعة من العاملين والتجار وأصحاب المصالح المرتبطة بحركة الاستيراد والتخليص والنقل والخدمات التجارية.
فخلف أرقام العاملين تقف أسر تعتمد على دخلها اليومي لتأمين احتياجاتها الأساسية، فيما يؤدي تعطيل النشاط التجاري إلى تراجع الحركة في الأسواق، وتضرر المصالح المرتبطة بالميناء، وتضييق فرص العمل، وزيادة الضغوط المعيشية على السكان.
ولا تقف آثار التوقف عند حدود العاملين داخل الميناء، بل تمتد إلى سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية التي تستفيد من حركة البضائع والمركبات، بما يجعل استمرار الإغلاق عاملًا ضاغطًا على اقتصاد المدينة بأكمله.
الشحر تدفع ثمن قرار خارج المحافظة
ويثير صدور قرار الإغلاق من خارج محافظة حضرموت، وفق ما ورد في المعلومات المتداولة بشأن القضية، تساؤلات حول مدى مراعاة خصوصية المحافظة واحتياجات سكانها، وحول أسباب استمرار تعطيل الميناء رغم الوعود بإعادة تشغيله.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول إلى الاستثمار في موانئها وتطوير قدراتها اللوجستية وفتح آفاق جديدة للتجارة، تبدو الشحر أمام واقع مغاير، تتراجع فيه الحركة التجارية وتتضرر المصالح المحلية، فيما يظل المواطن البسيط الطرف الأكثر تحمّلًا للأعباء.
ويستدعي ذلك تحركًا جادًا من الجهات المعنية لتوضيح أسباب استمرار الإغلاق، والكشف عن الإجراءات المتخذة لمعالجة المخالفات إن وجدت، وتحديد موعد واضح لاستئناف النشاط، بدلًا من ترك القضية مفتوحة على حساب مصالح المدينة وأبنائها.
إعادة التشغيل ضرورة اقتصادية ومعيشية
إن الحفاظ على الرقابة الجمركية ومكافحة التهريب لا يتعارضان مع إعادة تشغيل ميناء الشحر، بل يمكن تحقيق الهدفين معًا عبر منظومة رقابية فاعلة تضمن سلامة الإجراءات، وتحمي الإيرادات العامة، وتمنع التجاوزات، وتتيح في الوقت نفسه استمرار النشاط التجاري بصورة قانونية ومنظمة.
وتبقى الأولوية اليوم لإنهاء حالة التعطيل، ومعالجة الاختلالات بالوسائل القانونية والمؤسسية، وضمان عدم تحميل السكان والعاملين تبعات مشكلات يمكن التعامل معها من خلال الرقابة والمحاسبة والإصلاح الإداري.
فميناء الشحر ليس مجرد منشأة تجارية يمكن إغلاقها من دون تبعات، بل يمثل شريانًا اقتصاديًا ارتبطت به مصالح المدينة ومعيشة أبنائها، وأي قرار بتعطيله ينبغي أن يراعي حجم الأضرار التي قد تترتب عليه، وأن يستند إلى ضرورة واضحة وإجراءات متناسبة، لا أن يتحول إلى عبء طويل الأمد على المواطنين.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الجهات المعنية: إذا كانت الموانئ تمثل بوابات التنمية ومصادر الدخل وفرص العمل، فلماذا يُترك ميناء الشحر معطلًا، ومن يتحمل مسؤولية الأضرار التي تطال آلاف الأسر جراء استمرار إغلاقه؟
إن مدينة الشحر، بتاريخها التجاري العريق ومكانتها الاقتصادية، لا تحتاج إلى مزيد من القيود التي تخنق أسواقها، بل إلى قرارات تعيد الحياة إلى مينائها، وتصون مصالح أبنائها، وتضع التنمية المحلية وحقوق المواطنين في صدارة الأولويات، وتعيد إلى «سعاد أم اليتامى» شريان الحياة الذي غذّى أسواقها وأبناءها على مدى عقود.




