عربي دولي

محمد بن زايد… عقل الدولة وحدود القوة بين الداخل والخليج واليمن

بقلم: أ.د. أحمد الشاعر باسردة

لا يمكن قراءة شخصية محمد بن زايد إلا بوصفها مشروع دولة أكثر من كونها مجرد قيادة سياسية تقليدية؛ فالرجل ينتمي إلى مدرسة ترى في الاستقرار أولوية مطلقة، وفي القوة أداة شرعية لإعادة تشكيل البيئة المحيطة، وفي الزمن عاملًا حاسمًا في بناء النفوذ. هذه المقاربة تجعل من فهم عقليته مفتاحًا لفهم كثير من التحولات التي شهدتها الإمارات والخليج والمنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين.

في الداخل الإماراتي، تبدو فلسفة محمد بن زايد قائمة على معادلة دقيقة: تحديث بلا فوضى، وانفتاح اقتصادي بلا ارتخاء سياسي. فهو يدير الدولة بعقلية أمنية استراتيجية لا تفصل بين الاقتصاد والسياسة، بل ترى أن ازدهار الاقتصاد هو امتداد مباشر لصلابة الأمن. لذلك، تم بناء نموذج إماراتي يقوم على مركزية القرار، وفعالية المؤسسات، واستباق المخاطر بدل انتظارها. هذه العقلية لا تؤمن بردود الفعل، بل بالفعل الوقائي، وهو ما يفسر الاستثمار الكبير في التكنولوجيا، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز القوة العسكرية.

أما على المستوى القومي العربي، فإن رؤية محمد بن زايد تتجاوز الشعارات التقليدية، وتميل إلى الواقعية السياسية الصارمة. هو لا يتعامل مع العالم العربي ككتلة واحدة، بل كمجموعة ساحات متباينة تتطلب أدوات مختلفة. لذلك، دعمت الإمارات في عهده نماذج الدولة الوطنية القوية، ووقفت ضد الحركات التي تراها تهديدًا لبنية الدولة، خصوصًا تلك التي تمزج الدين بالسياسة. في هذا السياق، يمكن فهم سياساته كجزء من صراع أوسع على شكل الدولة العربية: هل تكون دولة مؤسسات أم ساحة مفتوحة للفوضى الأيديولوجية؟

خليجيًا، يتحرك محمد بن زايد ضمن توازنات دقيقة، فهو يدرك أن الخليج ليس مجرد تحالف جغرافي بل شبكة مصالح معقدة. لذلك، اعتمد سياسة تقوم على الشراكة حينًا، والمنافسة حينًا آخر، دون الوصول إلى القطيعة. علاقته بالسعودية مثلًا تعكس هذا الفهم؛ فهي علاقة استراتيجية عميقة، لكنها لا تخلو من اختلافات في التكتيك. في المقابل، يسعى إلى تعزيز دور الإمارات كلاعب مستقل قادر على التأثير، لا مجرد تابع في منظومة أكبر. هذا التوجه جعل من أبوظبي مركز ثقل سياسي يتجاوز حجمها الجغرافي.

أما في اليمن، فتظهر عقلية محمد بن زايد بأكثر صورها تعقيدًا، ولكن أيضًا بأبعادها التي ترى فيها أبوظبي دورًا إيجابيًا في إدارة الفوضى وتقليل كلفتها. فالتدخل الإماراتي لم يكن مجرد استجابة لتحالف عسكري، بل كان جزءًا من رؤية أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي، وطرق الملاحة، ومواجهة التهديدات غير التقليدية. تعاملت الإمارات مع اليمن كساحة استراتيجية متعددة المستويات: محاربة جماعات مسلحة، دعم قوى محلية، وتأمين موانئ وممرات بحرية.

وفي هذا الإطار، ركزت الإمارات على دعم البنية الأمنية في المناطق الخارجة عن سيطرة الفوضى، من خلال تدريب وتجهيز قوات محلية، وهو ما ساهم في تقليص نفوذ الجماعات المتطرفة مثل القاعدة وتنظيمات مشابهة، خصوصًا في بعض مناطق الجنوب. هذا الدور الأمني لم يكن منفصلًا عن بعد تنموي، إذ رافقته جهود لإعادة تأهيل مرافق حيوية كالمطارات والموانئ والمستشفيات، ما أعطى مؤشرات على محاولة خلق نموذج إداري أكثر استقرارًا في تلك المناطق.

كما سعت إلى تمكين الفاعلين المحليين باعتبارهم الأقدر على فهم الواقع الاجتماعي والسياسي، وهو توجه يعكس قناعة بأن الحل في اليمن لا يمكن أن يكون مستوردًا بالكامل، بل يجب أن ينبع من الداخل. ومن هذا المنطلق، دعمت قوى سياسية وأمنية محلية بهدف خلق توازن يمنع احتكار القرار في ظل ضعف الدولة المركزية، وهو ما تراه الإمارات مدخلًا لتفادي انهيار شامل.

ومن زاوية أخرى، ارتبط الحضور الإماراتي بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث ساهمت في حماية خطوط التجارة العالمية من التهديدات، وهو عامل يتقاطع مع استقرار اليمن ذاته. هذا البعد الاستراتيجي يفسر اهتمامها بالسواحل والموانئ، باعتباره جزءًا من رؤية أوسع للأمن البحري الإقليمي.

ورغم ما يحيط بهذه السياسات من جدل وتباين في التقييم، فإن القراءة المتوازنة تشير إلى أن الإمارات حاولت ضمن رؤيتها الجمع بين العمل الأمني، والدعم المحلي، والمساعدات الإنسانية، بهدف إنتاج حالة من الاستقرار النسبي في بيئة شديدة التعقيد. غير أن هذا الدور يبقى محكومًا بعوامل تتجاوزها، مثل الانقسام اليمني العميق، وتعدد الفاعلين، وغياب تسوية سياسية شاملة.

في العمق، يمكن القول إن محمد بن زايد ينتمي إلى جيل من القادة الذين لا يؤمنون بالعفوية في السياسة، بل بالتخطيط طويل المدى. هو يقرأ المنطقة كخريطة مصالح، لا كمساحة عواطف، ويتعامل مع التهديدات بمنطق استباقي، حتى لو بدا ذلك حادًا أو مثيرًا للجدل. هذه البراغماتية تمنحه قدرة على المناورة، لكنها تضعه أيضًا في قلب صراعات معقدة تتجاوز أحيانًا حدود السيطرة.

ومع ذلك، فإن أبرز ما يميز فكره هو إدراكه العميق لتحولات العصر؛ فهو يدرك أن القوة لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية وتكنولوجية وثقافية. لذلك، عمل على إعادة تعريف دور الإمارات من دولة نفطية إلى مركز عالمي متعدد الوظائف. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية ترى المستقبل كفرصة يجب صناعتها، لا انتظارها.

في النهاية، فإن قراءة عقلية محمد بن زايد تكشف عن نموذج قيادي يقوم على الحذر، والصرامة، والبراغماتية، مع نزعة واضحة نحو السيطرة على مسارات الأحداث بدل التكيف معها. هو قائد يبني نفوذه بصمت، ويعيد تشكيل محيطه تدريجيًا، مؤمنًا بأن السياسة ليست مجرد إدارة واقع، بل صناعة واقع جديد وفق ميزان القوة والمصلحة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic