مقالات الرأي

وادي حضرموت.بين صناعة الأزمات وعودة الحياة إلى الوسائل التقليدية

بقلم: علوي بن سميط

تشهد مناطق وادي حضرموت هذه الأيام أزمة خانقة في المشتقات النفطية وغاز الطبخ، أعادت إلى الأذهان سنواتٍ سابقة من المعاناة التي ظن المواطنون أنها أصبحت جزءاً من الماضي. فمع انعدام الغاز المنزلي وارتفاع أسعار الوقود وشحّ توفره، اضطرت معظم الأسر إلى العودة للوسائل التقليدية في إعداد الطعام وقضاء احتياجاتها اليومية، فعاد “البابور” و”التنار” والفحم والحطب ليحتلوا مكانةً كانت قد تراجعت أمام وسائل الطاقة الحديثة.

ولم يكن هذا التحول مجرد خيارٍ تراثي أو حنينٍ إلى الماضي، بل أصبح ضرورة فرضتها الظروف القاسية. وقد وجد كثير من الناس في هذه الوسائل بديلاً متاحاً، بل إن بعضهم يستعيد أحاديث الآباء والأجداد عن جودة الطعام المطهو على الفحم أو الحطب وما يتميز به من مذاق مختلف وقيمة غذائية يعتقدون أنها أفضل من تلك التي توفرها وسائل الطهي الحديثة.

غير أن العودة إلى هذه البدائل تكشف في جوهرها حجم الأزمة التي يعيشها المواطن. فحين تصبح الأسرة عاجزة عن الحصول على أسطوانة غاز، أو تضطر لقضاء ساعات طويلة في طوابير الانتظار بحثاً عن وقود أو مادة أساسية للحياة، فإن المشكلة لم تعد مجرد أزمة عابرة، بل أصبحت عنواناً لفشل إداري متكرر يتجدد كلما ظن الناس أنهم تجاوزوه.

لقد شهدت الأعوام 2018 و2019 أزمات مشابهة في الوقود وغاز الطبخ، واصطف المواطنون آنذاك في طوابير طويلة للحصول على احتياجاتهم الأساسية، بينما انتعشت السوق السوداء وارتفعت الأسعار إلى مستويات أرهقت الجميع. واليوم تتكرر المشاهد ذاتها بصورة تكاد تكون نسخة طبق الأصل، وكأن الذاكرة الرسمية لم تستفد من دروس الماضي، أو كأن إعادة إنتاج الأزمات أصبحت نهجاً متكرراً في إدارة شؤون الناس.

ومن المؤسف أن المواطن البسيط هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن في كل مرة. فهو الذي يبحث عن الغاز والديزل والبترول والكهرباء والدواء والراتب في آنٍ واحد، بينما يظل المسؤول بمنأى عن هذه المعاناة. فلا الطوابير تمسه، ولا انقطاع الخدمات يؤثر على حياته اليومية، الأمر الذي يوسع الفجوة بين واقع الناس ومعيشة من يتولون إدارة شؤونهم.

إن تكرار الأزمات يطرح تساؤلات مشروعة: هل هي نتيجة عجز وفشل إداري فقط؟ أم أن هناك من اعتاد إدارة الأوضاع عبر الأزمات وإشغال الناس بمعارك الحياة اليومية حتى ينصرفوا عن المطالبة بحقوقهم الأساسية؟ وفي كل الأحوال، فإن النتيجة واحدة: مزيد من المعاناة ومزيد من التراجع في مستوى الخدمات والثقة بالمؤسسات.

واليوم، وبينما تتسع دائرة الأزمات لتشمل الوقود والغاز والكهرباء والرواتب وسائر متطلبات الحياة، يجد المواطن نفسه أمام واقعٍ بالغ الصعوبة. لكن استمرار الصمت والاكتفاء بتداول الشكوى في المجالس ووسائل التواصل لن يكون كافياً لإحداث التغيير المنشود. فالتغيير الحقيقي يبدأ من وعي المجتمع بحقوقه، ومن رفضه لتحويل الأزمات إلى أمرٍ اعتيادي أو قدرٍ لا يمكن تغييره.

لقد عاد الحطب والفحم والبابور إلى بيوت وادي حضرموت، ليس لأن الناس اختاروا ذلك طواعية، بل لأن الأزمات دفعتهم إليه. وبينما أثبتت هذه الوسائل التقليدية قدرتها على توفير بدائل من البيئة المحلية، فإنها في الوقت نفسه تمثل شاهداً حياً على حجم التراجع الذي وصل إليه واقع الخدمات الأساسية.

ويبقى السؤال قائماً: إلى متى سيظل المواطن يدور في الحلقة ذاتها من الأزمات المتكررة؟ وإلى متى ستبقى معاناته مادةً يومية تتجدد، بينما تغيب الحلول الجذرية والإدارة القادرة على انتشال الناس من هذا الواقع؟

إن ما يعيشه المواطن اليوم ليس مجرد نقص في الوقود أو الغاز، بل أزمة إدارة وثقة ومسؤولية، ولن يتغير الحال إلا عندما يصبح توفير أبسط مقومات الحياة أولوية حقيقية، لا ملفاً مؤجلاً يُفتح مع كل أزمة ثم يُغلق بانتظار الأزمة التالية.

 

علوي بن سميط
16 يونيو 2026م

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic