الجنوبيون بين الحنين إلى الدولة والخوف من البديل
بقلم: د. احمد بن إسحاق
يعيش كثير من الجنوبيين اليوم حالة معقدة تجمع بين الحنين إلى زمن الدولة والخوف من البدائل المطروحة. فبعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات، لم يعد المواطن يبحث عن الشعارات بقدر ما يبحث عن دولة توفر الأمن والاستقرار والعيش الكريم.
لكن هذا الحنين لا يعني أن الجنوبيين مستعدون لمنح ثقتهم لأي مشروع يُطرح باسمهم. فالثقة تُبنى بالأفعال لا بالشعارات، وبالقدرة على بناء المؤسسات لا بكثرة الخطابات.
ومن هنا يمكن فهم حالة التوجس الواسعة تجاه أي مؤتمر جنوبي ترعاه أطراف ينظر إليها كثير من الجنوبيين باعتبارها خصما تاريخيا للقضية الجنوبية، خصوصا عندما تتولى هذه الأطراف تحديد قوائم المشاركين ورسم حدود النقاش والنتائج مسبقا. فكيف يمكن لمؤتمر يُفترض أن يعبر عن إرادة الجنوبيين أن يكتسب المصداقية إذا كان تشكيله وإدارته يخضعان لإرادة غير جنوبية؟
إن المشكلة ليست في الحوار ولا في اللقاءات السياسية، بل في الثقة. فالجنوبيون الذين فقدوا الثقة بخصوم قضيتهم يصعب إقناعهم بأن الحل سيأتي عبر مؤتمر يدار ويُرتب من قبل هؤلاء الخصوم أنفسهم.
ولهذا يبقى السؤال مطروحا: هل المطلوب صناعة حل للقضية الجنوبية، أم صناعة مؤتمر يمنح شرعية لنتائج جرى إعدادها مسبقا؟
فالجنوبيون اليوم لا يفتقدون المؤتمرات بقدر ما يفتقدون الثقة، ولا يحنّون إلى الماضي بقدر ما يبحثون عن دولة حقيقية تُمثل إرادتهم وتحترم حقهم في تقرير مستقبلهم بعيدا عن الوصاية وإعادة إنتاج الأزمات القديمة.




