مقالات الرأي

مأرب وحضرموت… هناك «إجماعٌ» منضبط، وهنا «جامعٌ» بلا إجماع

بقلم: م. أحمد صالح الغلام العمودي

في مقابل الضجيج الحضرمي المتكرر حول الحقوق، تُقدِّم مأرب نموذجًا مختلفًا يتأسس على الفعل لا على الخطاب؛ إذ يقوم أداؤها الفعّال على إدارة إجماع وازن، يُنتج القرار والفعل ويضبط إيقاعهما، وبه تدير شؤونها ومواردها النفطية والغازية بكفاءة مشهودة، وتعيد توجيهها وفق مقتضياتها الداخلية المحددة ــ تمنح من تريد وتمنع عمّن تريد ــ في صمت محسوب، يبتعد عن الاستعداء والتعالي، ومن غير استنزاف في نزاعات التمثيل أو التصريحات الاستعراضية، ولا في صخب المؤتمرات ــ جامعة كانت أم مُفرِّقة ــ ولا في الأحلاف والمرجعيات القبلية أو الحضرية. وهنا عندنا، تتكاثر جوامع وأحلاف ومرجعيات متنازعة، لا تُفضي سوى إلى انقسامات و«جعجعة بلا طحين»!

ولا يعود ذلك إلى غياب التباينات داخل المجتمع المأربي، بل إلى ما يمكن توصيفه بـ«إجماع مستبطن» فعلي غير مُعلن، تشكّل حول مركز قيادة واحد، يربط بين السياسي والعسكري والاجتماعي، تمثّل في الشيخ سلطان العرادة، بوصفه رمزًا معبرًا عن الكتلة المأربية لا «احتكارًا» لها. غير أن هذا الإجماع يجب ألا يُفهم خارج بنيته وسياقاته الاجتماعية؛ فمأرب ما تزال تحتفظ بصلابة قبلية واضحة، حيث الحدود والتراتبية الاجتماعية والتدرج الهرمي أكثر استقرارًا، بما يجعل الالتفاف والتكتل حول مركز واحد أمرًا ممكنًا وفعّالًا، دون منازعات تُذكر.

على الضفة الأخرى، تبدو حضرموت محكومة بسياق تاريخي مغاير؛ إذ شهدت منذ إصلاحات «وليم هارولد إنجرامز» في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي (1934 ــ 1944) عملية إخضاع للبنى القبلية لصالح سلطة الدولة، عبر مزيج من أدوات الترغيب والترهيب، ثم تعزز هذا المسار خلال حكم الحزب الاشتراكي اليمني في دولة الجنوب السابقة، بتحييد القبائل وإنهاء الثارات فيما بينها، ونشر التعليم وتطبيق القانون، بما أسهم في إضعاف بنيتها العصبوية وأعاد تشكيل المجتمع على أسس مدنية نسبية. لذلك، فإن إعادة استدعاء النموذج القبلي السابق لتلك الفترات، بعصبويته بعد حرب 1994م في حضرموت، لم تكن امتدادًا طبيعيًا لمسار اجتماعي قائم، بل محاولة لإعادة تركيب متعسفة لبنية اجتماعية لم تعد موجودة، تجاوزها المجتمع الحضرمي، أو لم تعد تمثله في كليته على أقل تقدير.

من هنا، فإن احتكار أي مكوّن «بصفته القبلية أو الضيقة» لتمثيل حضرموت لا يُنتج إجماعًا على غرار مأرب، بل يولّد مساحة واسعة من الاعتراض والتشظي والتنازع، حتى وإن استند إلى خطاب شعبوي تعبوي مدعوم من الخارج. إذ لا تُقرأ المسألة حضرميًا بوصفها مجرد إقصاء سياسي، بل تبدو، في أقل صورها في الذهنية الحضرمية، بوصفها استنساخًا لنموذج «الهيمنة القبلية في الهضبة الزيدية على مفاصل الدولة»، وهو نموذج لا ينسجم مع البنية الاجتماعية الحضرمية الأكثر تركيبًا وتنوعًا.

ويزداد هذا الرفض رسوخًا إذا ما استُحضر العرف الاجتماعي والقبلي الحضرمي المستقر، القائم على قاعدة ضمنية مفادها أن «القبيلي لا يحكم قبيليًا»، أي إن القبيلة لا تقبل الخضوع لقيادة قبلية من خارج نسيجها المباشر؛ إذ جرى العرف تاريخيًا على أن تتصل ولاءات القبائل سياسيًا واجتماعيًا بزعامات الأسر المشيخية والأسر العلوية المعروفة، التي اضطلعت بأدوار مرجعية في حضرموت على وجه العموم، وذلك بافتراض بقاء هذا النسق على حاله، كما كان قبل مرحلة إنجرامز ومرحلة الحزب الاشتراكي. غير أن هذا العرف تراجع اليوم عن صرامته المعهودة؛ إذ أفرزت التحولات الداخلية، بفعل الحراك الاجتماعي وما رافقه من تجريف سياسي وثقافي واجتماعي ممنهج وموجّه امتد لأكثر من ثلاثة عقود، واقعًا جديدًا تجاوز فيه بعض الأفراد والبطون القبلية زعاماتها التقليدية، ونسجت اصطفافات مغايرة مع قبائل أخرى؛ بما يكشف تراجع قدرة البُنى التقليدية على الضبط والاحتكار، ليس بين القبائل فحسب، بل داخل القبيلة الواحدة ذاتها. ولعل هذا ما يفسر اتساع دوائر الاختلاف، وتحولها من خلافات بينية إلى تباينات داخلية في البنية القبلية الحضرمية. ولذلك، لم يعد التمثيل ممكنًا بالاستناد إلى العصبية القبلية، بل بات مشروطًا بتوافق أوسع وإجماع متوافق عابر للانقسامات المجتمعية، يشمل مختلف شرائح المجتمع. ومن ثم، فإن أي محاولة لفرض تمثيل قبلي احتكاري لا تُفهم بوصفها اختلالًا سياسيًا طارئًا فحسب، بل كخرق لبنية عرفية عميقة، إذا ما أُريد الاحتكام إليها أصلًا، وهو ما يترتب عليه سرعة تحولها إلى عامل انقسام لا إلى رافعة إجماع.

ويكمن الفارق الجوهري هنا بين حضرموت ومأرب في طبيعة البنية المنتِجة للقرار؛ ففي مأرب، تُفضي الصلابة القبلية، المسنودة بتوازنات سياسية وأمنية، إلى قدرة على أداء وظيفة دولة بدرجة معينة، رغم طابعها القبلي: إجماع منضبط، ووحدة في القرار والفعل، ورمزية تمثيل متوافق عليها. في المقابل، يفرض اختلاف البنية المجتمعية في حضرموت شروطًا مغايرة تنسجم مع سياقها الحضاري الراهن ذي الغالبية المدنية؛ الأمر الذي يجعلها ــ في حالة الأخذ بهذا النموذج القبلي ــ تنزلق إلى تصادم مرجعياتها الاجتماعية والقبلية وتعدد مراكز التمثيل، بما يُضعف إمكانية إنتاج مركز جامع، ويحوّل التعدد إلى تنازع دائم على الشرعية والتمثيل، وهذا ما أضاع، كما نرى، التمثيل والفعل معًا.

ويتضح أن هذه الفوارق البنيوية لا تبقى عند مستوى التوصيف النظري أو المقارنة العامة، بل تمتد إلى أنماط ممارسة السلطة وإدارة التوازنات، بما يجعل من البنية الاجتماعية عاملًا حاسمًا في تشكيل علاقة المركز بالوحدات الإدارية واستقرار المواقع القيادية أو إعادة تدويرها داخل كل سياق. وهكذا، فلم يكن يسيرًا على مراكز السلطة العليا، في عهد الرئيس عبدربه منصور هادي، أو في ظل مجلس القيادة الرئاسي الحالي، كسر هذه المعادلة في مأرب أو العبث بمركزها الرمزي؛ لأن ما يحمي هذا المركز ليس النصوص بل تماسك الكتلة الاجتماعية والسياسية خلفه.

ويتجلى الدليل عمليًا عند مقارنة مسارات الإعفاءات والتدوير للقيادات في حضرموت؛ إذ شهدت حضرموت تغييرات متكررة في مواقع قيادية، شملت أسماء بارزة مثل: اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك، واللواء الركن فرج سالمين البحسني، بحجة عدم الجمع بين المواقع القيادية الثلاثة، في سياق مبررات تتعلق بإعادة الهيكلة وتوزيع الصلاحيات (المحافظ، وقيادة المنطقة العسكرية، وعضوية مجلس القيادة)، وبعد ذلك الأستاذ مبخوت مبارك بن ماضي. وفي الوجهة الأخرى في مأرب، ظلّ الشيخ سلطان العرادة «مُعمِّرًا» في كل مواقعه، جامعًا بين الصفة السياسية والعسكرية والقبلية، وكذلك عضويته في مجلس القيادة الرئاسي. ويكشف هذا الأمر في جوهره اختلافًا في طبيعة البنية الحامية للقرار بين السياقين، لا مجرد اختلاف في الأشخاص أو ازدواجية معايير: هناك، حيث يوجد إجماع وازن، تفرض المعادلة نفسها وتتكيف السلطة المركزية معه؛ وهنا، حيث يغيب هذا التماسك، يصبح التغيير و«اللعب» بعناصر المعادلات أكثر سهولة واستهدافًا للقيادات، حسب مقتضيات المركز.

وبمعزل عن عقد المقارنات، نجد أن مردود الإجماع المنضبط يتجاوز ضبط مسارات التدوير والإعفاء للرموز القيادية على غير إرادة حاضنة الإجماع المنضبط، إلى هندسة الاستجابة وتوجيه تداعيات الأزمات في لحظات الاختبار؛ كما يتجلى في التطورات الأخيرة في محافظة الجوف: فبحسب ما تداولته التقارير الصحفية ــ إن صحت ــ عن سقوط محافظة الجوف أو بعض أجزاء منها مؤخرًا بيد الحوثيين، تكشف وجهة النزوح اللاحقة نمطًا لافتًا؛ إذ لم تتجه الكتلة النازحة إلى مأرب، وهي الأقرب جغرافيًا والأوثق صلة ثقافيًا واجتماعيًا، بل انصرفت إلى حضرموت. وهذه النتيجة، في دلالتها، لا تُقرأ بوصفها حركة عفوية فحسب، بل تعكس إما إدارة كفؤة وواعية للأزمة تُحسب للقيادة المأربية لتفادي أعباء الاستيعاب المباشر لموجات النازحين، أو تعكس تنسيقًا أوسع داخل الفضاء الشمالي في توجيه النزوح، بما يرتب آثارًا تتجاوز البعد الإنساني إلى إعادة تشكيل التوازنات الديموغرافية في وادي وصحراء حضرموت. وفي المحصلة، يتأكد أن البنية التوافقية المتماسكة لا تنتج قرارها المنضبط فقط، بل تدير تداعياته بفعالية، وتعيد توجيه مساراته بما يخدم حساباتها الأبعد في مختلف الظروف.

وعليه، لن يكون من المبالغة في شيء إذا ما تم النظر إلى مأرب بوصفها مفرزة متقدمة ضمن معادلة أوسع للهيمنة الشمالية في وادي وصحراء حضرموت؛ حيث لم يعد حضورها محكومًا بمقتضيات الامتداد والجوار الجغرافي وحده، بل اتخذ طابعًا يتجاوز ذلك إلى فعل ممنهج ومدروس، تراكم عبر عقود من الوجود العسكري، ثم تعزز في مطلع العام الجاري بتدخل ودعم إقليمي قوي يثير التباسًا في مغزاه. هذا التراكم، بامتداده القديم والحديث، أفضى ويفضي إلى تحولات ديموغرافية ملحوظة تهدد هوية الوادي الوسطية بطابعها الصوفي؛ حتى ليبدو للمراقب أن وادي حضرموت ــ مقارنة بما كان عليه في عام 1994 ــ قد غدا ما يشبه «مأرب الجديدة».

وبين مستويات التباين في بنية القرار بين مأرب وحضرموت، وأنماط إدارة الأزمات والشؤون الداخلية، وامتدادات الحضور الميداني وما راكمه من تحولات ديموغرافية، تتبدّى عندنا في حضرموت صورة مدعاة للعجب؛ إذ يُعاد تأويل هذه التحولات الممتدة في وادي حضرموت، قريبها وبعيدها، لدى البعض بوصفها «انتصارات لحضرموت»، لا عن جهل بحقيقتها، بل عن وعي منكر لها، تغلّفه مكابرة تحول دون مواجهة دلالاتها الموجعة؛ لا لشيء سوى خشية أن يُربك الاعتراف بها سردية قائمة، أو يُضعف صورة متخيلة في مواجهة خصم من داخل البيت الحضرمي أو الجنوبي. ويمتد هذا المنحى إلى تحول هذا البعض إلى صدى مبالغ فيه للدور الإقليمي، بما يفوق حتى الغايات التي يضعها الإقليم نفسه لحساباته الجيوسياسية في حضرموت والمهرة، في تجلٍ لإسقاط رغبوي على سلوك الدول، ووهم تطابق متخيّل مع حسابات الإقليم؛ بافتراض أن ما يتصوره ويتمناه أصحاب هذا التصور هو بالضرورة ما يتصوره الإقليم ذاته لهم وللمنطقة. وهو ما يعكس نزعة ذاتية متضخمة تجافي الحقائق العارية على الأرض، وتتجاهل المنطق الحاكم هنا، وهو منطق الدول لا منطق الأفراد والجمعيات الخيرية؛ فالدول تُدير مصالحها وفق حساباتها الصلبة، لا وفق تصورات الآخرين عنها أو أمنياتهم منها. وفي المحصلة، يضيف هذا النمط من التفكير مزيدًا من الارتباك إلى المشهد، ويعمّق قابلية توظيفه ضمن حسابات جيوسياسية إقليمية تتجاوز إرادة ورغبات الفاعلين المحليين، وبما يفاقم هشاشة المشهد بدل أن يرمم توازنه وتماسكه.

ولا يغيب عن هذا السياق أيضًا أن جزءًا من إشكالية حضرموت والحضارم يرتبط بالصراعات والحسابات الأنانية بين الكثير من القيادات الحضرمية نفسها داخل مؤسسات دولة الشرعية التوافقية، وما أفرزته من نزوع متصاعد نحو التمركز الذاتي، حيث تختلط خطابات هذه الرموز بمصالحها الشخصية، ويتحوّل الحديث عن «حقوق حضرموت» و«تمثيل حضرموت» في كثير من الحالات عندها إلى غطاء ومطية لإدارة وتعظيم مصالحها ومصالح الدوائر الضيقة المرتبطة بها؛ وهو ما سهّل ارتهان هذه القيادات لمراكز القرار العليا في الشرعية التوافقية، وعمّق الانقسامات وتفكك الفاعلية السياسية، وأفضى في النتيجة إلى تآكل الفعل الجمعي الحضرمي بدلًا من توجيهه نحو المصلحة الحضرمية الجامعة. وفوق ذلك، لا يمكن إغفال أو تجاهل الدور السلبي لتحوّل بعض هذه الرموز والروافع القبلية والاجتماعية إلى أدوات محلية في استراتيجيات إقليمية، يُعاد من خلالها تعريف الصراع في الساحة اليمنية شمالًا وجنوبًا، بدل أن تبقى روافع اجتماعية وسياسية أصيلة تعبّر عن حضرموت وحقوقها، كما ترفعه شعاراتها.

وفي ضوء ما سبق، يغدو تغيير وإعفاء القيادات في حضرموت أمرًا لا غرابة فيه؛ لغياب إجماع توافقي يسند الرموز القيادية. وما يدعو للأسف أن هذا التمركز والتفكك أصبح ذريعة ميسّرة لمراكز السلطات العليا لاستبعاد قيادات غير مرغوب فيها، وإعادة ترتيب المشهد عبر التدوير، لا وفق معايير الكفاءة والقدرة على الفعل والتمثيل، بل تبعًا لاعتبارات الخضوع لمشيئة هذه السلطات. وهكذا يتساقط الجميع إلى الهامش فرادى، واحدًا إثر آخر. وإذا ما استمرت الأمور على هذا الحال، فإن «التغييرات المرتقبة» لن تكون سوى إجراء محسوب؛ تُرفع فيه وجوه بقدر قابليتها للانقياد والطاعة، وتُزاح أخرى بعد أن استُنفدت وظائفها وأصبحت عبئًا لا طائل من ورائه. وهكذا تنكشف المعادلة في صورتها الأوضح: حيثما يوجد الإجماع المنضبط يُنتج القرار والفعل المسؤول، وفي غيابه يُنتج العبث.

وعلى هذا الإيقاع المختل في الأداء السياسي الحضرمي، تتجسد أمامنا ما يمكن تسميتها بـ«المتلازمة الحضرمية»، التي «أعجزت الحضارم حتى شكا العجز منهم»؛ إذ يتكرر تفوق الفعل الفردي بوصفه نمطًا غالبًا، في مقابل تعثر مزمن في إنتاج فعل إجماع توافقي، حين تستدعي المرحلة، بما تفرضه من ظروف، متطلبات ذلك. هذه المتلازمة الحضرمية تجعل التميّز الفردي معزولًا عن قابليته للتحول إلى تراكم نوعي ينتهي إلى تشكّل ثقافة وعقلية عمل سياسي ذي جدوى، وهذا ما يكشف في العمق خللًا بنيويًا في آلية تحويل القدرات المتفرقة إلى فعل مشترك. ولا تبدو هذه الإشكالية مجرد عطب سياسي ظرفي، بل تعبيرًا عن خلل ثقافي مجتمعي أعمق، يستدعي إعادة بناء الوعي الجمعي على نحو يحرر الفعل من فردانيته، ويؤسس لإدراك جديد يرى أن الفاعلية السياسية لا تُنتج من تراكم الجهود الفردية المعزولة، مهما علا شأنها، بل من التراكم والتكامل المنظم والعمل المؤسسي السياسي.

ومن هذا المنطلق، يظل الفعل السياسي في حضرموت، إلى حد كبير، حبيسًا لهذه المثالب وتلك الثقافة والعقلية؛ إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب فاعليته واستمراره خارج منطق الفريق والمؤسسية والتنسيق الجمعي. ومن ثم تتأكد الحاجة، يومًا بعد آخر، إلى ترسيخ ثقافة عمل الفريق في الحقل السياسي تحديدًا، لا بوصفها خيارًا تنظيميًا أو تقنية إدارية، بل باعتبارها شرطًا لإنتاج الفعل السياسي ذاته، وتحويله من مبادرات فردية متفرقة إلى مشروع قادر على الفعل والتأثير. وهو ما يقتضي، في الآن نفسه، بل ربما في الصدارة منه، مراجعة دور النخب المثقفة والمتعلمة، بما يقتضي التحرر من نزعتها السلبية المستحكمة وانكفائها على ذاتها، بما يعيد ضبط حضورها في المجال العام، ويؤسس لوظيفة أكثر تفاعلًا والتزامًا بالمسؤولية المجتمعية، لا باستئثار المكاسب الفردية على حساب غيرها من الاهتمامات، وهي مكاسب لا تلبث أن تعمّق التشتت عوضًا عن الإسهام في تخليق مناخ سياسي متسق مع شروط الراهن الاجتماعي، غير قائم على استنساخ أو محاكاة نماذج من خارج سياق المجتمع، وبما يفتح المجال أمام إعادة بناء إدراك سياسي جمعي أكثر قدرة على إنتاج فعل سياسي ذي شأن.

والله من وراء القصد، وهو الموفق والمستعان.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic