أسود الصبيحة الجنوبية.. حراس باب المندب بالحديد والنار

حضرموت نيوز – خاص
قبل أكثر من عقد، وتحديدًا في عام 2015، تداولت وكالات أنباء وصحف عالمية صورة لرجل مسن وسط عدد من مقاتلي أبناء الصبيحة والمقاومة الجنوبية ضد مليشيا الحوثي، في مشهد تختصر فيه ملامح الرجال ووجوههم وحكاية منطقة ارتبط اسمها تاريخيًا بالمواجهة والبأس وحراسة الأرض.
الصورة، أعادت وفق نقاد، إلى الواجهة شهادة الرحالة والدبلوماسي والكاتب البريطاني والتر ب. هاريس (Walter B. Harris)، الذي زار اليمن في القرن التاسع عشر ووثق في كتابه A Journey Through the Yemen and Some General Remarks Upon That Country، الصادر عام 1893، جانبًا من جغرافية اليمن وقبائله وأوضاعه الاجتماعية والسياسية.
وفي حديثه عن قبائل الساحل الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية، الممتد من مضيق باب المندب إلى نحو مئة ميل شرق عدن، والمتوغل إلى الداخل لمسافة تقارب خمسين ميلًا، كتب هاريس أن «الصبيحة هي الأكثر حربية» بين تلك القبائل، مشيرًا كذلك إلى أنها كانت أكثر ترحالًا من غيرها.
وبينما كانت تلك الشهادة تسجل انطباع رحالة أوروبي عن واقع عاشه في القرن التاسع عشر، تبدو الصورة التي التقطت في باب المندب عام 2015 وكأنها امتداد بصري لذاكرة المكان؛ رجال من الصبيحة الجنوبية في موقع استراتيجي ظل عبر التاريخ مرتبطًا بالحركة العسكرية والتجارة والملاحة والصراع على طرق البحر.
لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الذاكرة أو التأطير التاريخي.
ففي السنوات التالية، برز مقاتلو الجنوب، وفي مقدمتهم أبناء الصبيحة، ضمن تشكيلات عسكرية جنوبية قبل تشكلها تحت مظلة المجلس الانتقالي، خاضت مواجهات واسعة ضد مليشيا الحوثي، وكان للساحل الغربي وباب المندب حضور بارز في تلك المعارك، إلى جانب جبهات أخرى.
واليوم، تعود أهمية باب المندب والساحل الغربي إلى واجهة المشهد بصورة أكثر خطورة. فقد شهدت المنطقة خلال سبتمبر 2026 تقدمًا كبيرًا لمليشيا الحوثي على الساحل الغربي ووصولها إلى مواقع وجزر قرب المضيق، فيما تحدثت تقارير عن محاولات حوثية لتحصين مواقعها شمال باب المندب. وفي المقابل، أفادت تقارير ميدانية باستعادة قوات ألوية العمالقة الجنوبية، مواقع مرتفعة قرب الحدود بين لحج وتعز، وتحديداً في جبال كهبوب.
وهنا تستعيد الصورة القديمة معناها من جديد.
فالمقاتل الجنوبي الذي ظهر في باب المندب قبل أكثر من عقد، لم يكن مجرد تفصيل عابر في صورة ميدانية؛ بل كان جزءًا من حضور بشري وعسكري جنوبي ارتبط بهذه الجغرافيا، من الصبيحة إلى باب المندب والساحل الغربي، في مواجهة مليشيا الحوثي.
ومنذ معارك الأمس إلى جبهات اليوم، ظل أبناء الجنوب حاضرِين في خطوط النار، سواء ضمن ألوية العمالقة الجنوبية أو القوات والتشكيلات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، في معارك امتدت من باب المندب والساحل الغربي إلى جبهات الجنوب الأخرى.
واليوم، بينما تتغير خرائط السيطرة وتتبدل مواقع القوات، يظل باب المندب بالنسبة للجنوبيين أكثر من مجرد نقطة على الخريطة؛ إنه بوابة استراتيجية للأمن البحري والجغرافيا الجنوبية، وموقع ارتبط بذاكرة طويلة من القتال والدفاع عن الأرض.
وإذا كان والتر هاريس، قد وصف الصبيحة قبل أكثر من 130 عامًا بأنها «الأكثر حربية»، فإن صورة ذلك الرجل المسن وسط مقاتلي الصبيحة في باب المندب عام 2015 تقدم، بعد أكثر من قرن، مشهدًا آخر من الحكاية نفسها: جيلٌ يحمل ذاكرة المكان، ومقاتلون يقفون في جغرافيته، ومعركة تتغير أدواتها ووجوهها بينما يبقى باب المندب أحد أهم مفاتيح الصراع على الساحل الغربي واليمن والبحر الأحمر.
الصورة القديمة، لا تتحدث وحدها؛ إنها تستدعي تاريخاً طويلًا من حضور أبناء الصبيحة والجنوب في هذه الأرض، من ذاكرة القرن التاسع عشر إلى معارك 2015، وصولًا إلى معارك اليوم في مواجهة مليشيا الحوثي.




