استمرار نزيف دم الحضارم في محرقة الشمال.. فمن يمنع قوات الطوارئ من قتال الحوثيين؟

حضرموت نيوز – خاص
بينما يُزج بأبناء حضرموت في واحدة من أكثر جبهات الحرب الحوثية خطورة، ويسقط منهم عشرات القتلى والجرحى بالصواريخ الحرارية والألغام والطائرات المسيّرة، تظل قوات الطوارئ اليمنية رابضة في العبر والخشعة، في مشهد يضع تصريحات قيادة المنطقة العسكرية الأولى أمام أسئلة محرجة عن حقيقة توزيع المهام العسكرية ومن يدفع ثمن المعركة.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه مدير المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الأولى، طه باعوضة، عن أن مشاركة قوات حضرمية في جبهات الجوف تمثل «خط الدفاع الأول» عن حضرموت، تبدو الصورة على الأرض أكثر تعقيداً: لماذا يُدفع بشباب حضرموت إلى عمق المعارك في الشمال، بينما لا تتحرك قوات الطوارئ الموجودة في العبر والخشعة باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؟
ووفق المعطيات المتداولة، فقد قُتل ما لا يقل عن خمسين شاباً حضرمياً وأصيب العشرات خلال المعارك الأخيرة، في ظل استخدام الحوثيين الصواريخ الحرارية والألغام والطائرات المسيّرة ضد القوات القادمة من حضرموت.
هذه الخسائر الكبيرة تفتح الباب أمام سؤال لا يمكن القفز عليه بالحديث عن «المعركة الوطنية الشاملة»: لماذا يتحمل أبناء حضرموت وحدهم فاتورة معارك الشمال، بينما توجد قوات عسكرية أخرى في مواقع أقرب إلى مسرح العمليات الحوثية؟
باعوضة يبرر.. لكن الأسئلة أكبر من التصريح
قال باعوضة إن أمن حضرموت واستقرارها لا ينفصلان عن معركة تحرير كامل التراب اليمني من الحوثيين، واعتبر أن مشاركة قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية «درع الوطن»، اللواء فهد بامؤمن، في جبهات الجوف تصب في إطار حماية حضرموت والمحافظات المحررة.
لكن هذا الطرح يتجاهل سؤالاً جوهرياً: إذا كان التقدم نحو مواقع الحوثيين في الجوف هو خط الدفاع الأول عن حضرموت، فلماذا لا تكون القوات الموجودة في العبر والخشعة جزءاً من هذا التقدم؟
وإذا كانت هذه القوات مؤهلة ومعدة عسكرياً لمواجهة الحوثيين، فلماذا تبقى في مواقعها؟ وإذا كانت لديها مهمة أخرى، فمن يحدد تلك المهمة؟ ومن يملك قرار تحريكها؟ ولماذا تتحول قوات حضرمية أخرى إلى قوة مقاتلة في الخطوط الأمامية بعيداً عن أرضها؟
العبر والخشعة.. لماذا تبقى قوات الطوارئ خارج المعركة؟
وجود قوات الطوارئ في العبر والخشعة ليس تفصيلاً عسكرياً هامشياً، بل مسألة تستحق تفسيراً واضحاً، خصوصاً في ظل الحديث المتكرر عن ضرورة فتح جبهات ضد الحوثيين.
فالقوات الموجودة هناك يفترض أن تكون جزءاً من منظومة عسكرية قادرة على التعامل مع التهديد الحوثي، لا أن تتحول مواقع انتشارها إلى محطات انتظار دائمة بينما يجري إرسال قوات حضرمية أخرى إلى جبهات بعيدة.
وتزداد علامات الاستفهام مع ما يتردد عن خضوع حركة هذه القوات لتوجيهات واعتبارات سعودية، بما في ذلك عدم الدفع بها إلى مناطق المواجهة الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة:
هل توجد تعليمات سعودية بإبقاء قوات الطوارئ في العبر والخشعة وعدم الدفع بها إلى مناطق الحوثيين؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فما المبرر؟
وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا لا تتحرك هذه القوات إلى الجبهات؟
لماذا يُطلب من الحضرمي أن يقاتل بعيداً عن أرضه؟
المشكلة ليست في مواجهة الحوثيين، ولا في رفض تحرير الأراضي اليمنية من قبضتهم، وإنما في ازدواجية توزيع الأدوار والتضحيات.
حين يُطلب من الشاب الحضرمي أن يغادر محافظته ويقاتل في الجوف، ثم يعود جثمانه إليها، يصبح من حق أسرته وأبناء محافظته أن يعرفوا لماذا أُرسل إلى هناك، وما المهمة التي قاتل من أجلها، ومن اتخذ قرار الدفع به إلى تلك الجبهة.
والأهم: لماذا لم تُستخدم القوات الموجودة في العبر والخشعة في المهمة نفسها؟
لا يمكن أن تكون الإجابة دائماً أن «المعركة واحدة» وأن «أمن حضرموت يبدأ من الشمال»، لأن وحدة المعركة لا تعني بالضرورة وحدة الأدوار، ولا تبرر أن تتحمل منطقة بعينها القسم الأكبر من الخسائر البشرية بينما تبقى تشكيلات أخرى خارج خطوط النار.
من يدفع أبناء حضرموت إلى الجبهات؟
تصريحات المنطقة العسكرية الأولى تقدم رواية عسكرية عن حماية حضرموت من خلال القتال في الشمال، لكن هذه الرواية تحتاج إلى أن تُستكمل بكشف الحقائق المتعلقة بآلية اتخاذ القرار.
من يصدر أوامر تحريك القوات الحضرمية؟
ومن يحدد الجبهة؟
ومن يقرر بقاء قوات الطوارئ في العبر والخشعة؟
وهل توجد فعلاً توجيهات خارجية تمنعها من دخول مناطق الحوثيين؟
هذه ليست أسئلة سياسية هامشية، بل أسئلة تتعلق بحياة جنود يُدفعون إلى الخطوط الأمامية.
حضرموت ليست وقوداً لحرب بلا نهاية
لقد قدم أبناء حضرموت تضحيات كبيرة في مختلف مراحل الحرب، لكن تحويلهم إلى قوة بشرية مفتوحة الإمداد لجبهات الشمال دون وضوح في الأهداف والمهام والقيادة والنتائج أمر يستحق المراجعة والمساءلة.
فإذا كانت المعركة لتحرير الشمال، فلتكن هناك خطة عسكرية واضحة وقوات موزعة بعدالة، لا أن يُدفع بأبناء حضرموت إلى أكثر المواقع تعرضاً للصواريخ الحرارية والألغام والمسيرات، بينما تبقى قوات أخرى في مواقعها.
وإذا كانت حماية حضرموت تبدأ من الشمال كما يقول إعلام المنطقة العسكرية الأولى، فليُفسَّر للحضارم لماذا لا تبدأ المعركة أيضاً من العبر والخشعة، ولماذا لا تتقدم قوات الطوارئ نحو مناطق الحوثيين الواقعة ضمن نطاق عملياتها.
أما أن يموت أبناء حضرموت في الجبهات الشمالية، بينما تبقى قوات الطوارئ في العبر والخشعة بانتظار الأوامر، فهذه ليست معادلة عسكرية مفهومة، بل معادلة تحتاج إلى إجابة سياسية وعسكرية صريحة.
والسؤال الذي سيظل مطروحاً أمام قيادة المنطقة العسكرية الأولى والجهات التي تتحكم في حركة القوات هو:
هل أبناء حضرموت مطالبون بالقتال حتى الموت في الشمال، بينما تُرسم لقوات أخرى حدود لا تتجاوز العبر والخشعة؟




