أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

مليارات حرب السعودية في اليمن أسست «جيش من الأشباح» وسهلت سيطرة إيران على باب المندب

حضرموت نيوز – خاص

لم يعد الفشل السعودي في اليمن مجرد تعثر عسكري عابر أو انتكاسة ميدانية يمكن تبريرها بتبدل موازين القوى، بل بات يكشف، وفق تقارير إعلامية دولية، عن أزمة أعمق في بنية القوات التي أنفقت الرياض سنوات وأموالًا طائلة على دعمها وتسليحها، فيما انتهت النتيجة إلى انهيار مواقع استراتيجية وسقوط الساحل الغربي واقتراب الحوثيين من باب المندب.

وفي تطور يكشف حجم المفارقة، تداولت وسائل إعلام دولية تقريرًا منسوبًا إلى شبكة CNN يتحدث عن وجود كتائب تابعة للقوات المدعومة سعوديًا تضم ما يقارب 80% من «الجنود الأشباح»؛ أي أسماء مدرجة في كشوفات القوة والرواتب دون وجود فعلي على الأرض.

وبحسب ما نُقل عن التقرير، فإن تضخم الكشوفات العسكرية على الورق، مقابل ضعف القوات الموجودة فعليًا في الميدان، كان أحد العوامل التي ساعدت الحوثيين ذراع إيران في اليمن، على تحقيق تقدم سريع في الساحل الغربي والوصول إلى مواقع استراتيجية شديدة الحساسية كباب المندب. وتأتي هذه المعلومات في وقت أكدت فيه CNN أن القوات الحوثية اندفعت بسرعة نحو ميناء المخا وجزيرة ميون وباب المندب، مستفيدة من انهيار مواقع القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا.

من مليارات الحرب إلى «جيش على الورق»

تكشف هذه المعطيات عن واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الحرب اليمنية: سنوات من الإنفاق السعودي والتدخل العسكري لم تنتج جيشًا يمنيًا موحدًا قادرًا على حماية المناطق الاستراتيجية، بل أنتجت منظومة عسكرية وسياسية شديدة التشظي، ارتبطت فيها التشكيلات العسكرية بمراكز النفوذ والتمويل والولاءات السياسية.

وتاريخ ظاهرة «الجنود الأشباح» في المؤسسة العسكرية اليمنية ليس جديدًا؛ فقد وثقت دراسات سابقة ظاهرة تضخيم كشوفات القوات ووجود آلاف الأسماء الوهمية التي تُصرف رواتبها دون وجود أصحابها فعليًا في الخدمة. (Crisis Group)

لكن وصول هذه الظاهرة، وفق الادعاءات الجديدة المنسوبة إلى التحقيق، إلى مستويات تقارب 80% في بعض الوحدات، يضع الرياض أمام سؤال بالغ الخطورة: كيف أمكن لأكثر من عقد من التدخل العسكري والإنفاق الهائل أن ينتهي إلى قوات لا يعكس حجمها الورقي قدرتها الحقيقية في الميدان؟

باب المندب.. نتيجة سياسة لا تحمي المصالح

النتيجة الأشد خطورة ظهرت على الساحل الغربي.

فبدل أن يتحول الدعم السعودي إلى قوة يمنية متماسكة قادرة على حماية الساحل وباب المندب، تمكن الحوثيون من تحقيق تقدم واسع باتجاه واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وأكدت CNN أن الحوثيين سيطروا على المخا وتقدموا باتجاه جزيرة ميون وباب المندب، معتبرة أن التطورات الجديدة منحت الجماعة نفوذًا أكبر على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. (CNN Transcripts)

كما أكدت تقارير دولية حديثة أن السيطرة الحوثية على مناطق الساحل الغربي وباب المندب تمثل ضربة استراتيجية كبيرة للمصالح السعودية والإقليمية، وتهديدًا لحركة التجارة والطاقة الدولية. (Reuters)

وهنا تبرز المفارقة الكبرى: السعودية التي دخلت الحرب تحت شعار حماية اليمن ومواجهة الحوثيين، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر خطورة مما كان عليه قبل سنوات، بعدما أصبح الحوثيون أقرب إلى باب المندب وأصبح أمن الملاحة في البحر الأحمر أكثر هشاشة.

إخراج الإمارات.. ثم ضرب الشريك الجنوبي

ولا يمكن قراءة هذا الانهيار بعيدًا عن السياسة السعودية تجاه القوى الجنوبية التي كانت على الأرض شريكًا أساسيًا في مواجهة الإرهاب والحوثيين.

فبدل الحفاظ على القوات الجنوبية التي راكمت خبرة ميدانية حقيقية في مكافحة تنظيم القاعدة والتنظيمات الإرهابية، وفي تأمين محافظات الجنوب، اتجهت الرياض إلى سياسة تفكيك موازين القوة القائمة، وإقصاء حلفاء الإمارات، والضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي، وصولًا إلى استهداف نفوذه ومحاولة إعادة هندسة المشهد العسكري والسياسي في الجنوب.

وهكذا جرى، بحسب منتقدي السياسة السعودية، إضعاف طرف جنوبي كان يقاتل الإرهاب على الأرض في حضرموت والمهرة والضالع وأبين وشبوة، في الوقت الذي بقي فيه الخطر الحوثي يتعاظم شمالًا وغربًا.

والأخطر من ذلك أن هذه السياسة لم تنتج بديلًا أكثر كفاءة، بل فتحت الباب أمام إعادة تمكين قوى سياسية محسوبة على حزب الإصلاح، الذراع اليمنية لتنظيم الإخوان المسلمين، وإعادة تدوير شبكات نفوذ سياسية وعسكرية سبق أن أثبتت التجربة فشلها في إدارة المعركة الوطنية.

السعودية تعيد إنتاج أسباب الهزيمة

المشكلة، إذن، لم تكن في نقص الأموال أو الأسلحة أو الدعم الخارجي.

المشكلة في إدارة الحرب نفسها.

فحين تُبنى الجيوش على الولاءات السياسية والمناطقية بدل العقيدة العسكرية الوطنية، وحين تتحول الرواتب إلى أداة لشراء الولاءات، وحين تصبح الكشوفات العسكرية مجالًا للفساد والتضخيم، فإن النتيجة الطبيعية هي جيش يبدو ضخمًا في التقارير، لكنه يتبخر عند أول اختبار حقيقي.

وهذا تحديدًا ما يجعل قصة «الجنود الأشباح» أكثر من مجرد فضيحة مالية؛ إنها عنوان لانهيار نموذج كامل لإدارة الحرب.

فالقوات التي يفترض أنها تحمي الساحل لم تستطع الصمود، والمواقع التي يفترض أنها تمنع الحوثيين من التقدم إلى باب المندب سقطت تباعًا، بينما اضطر العالم مجددًا إلى التعامل مع خطر حوثي يقترب من أحد أهم الممرات البحرية على الكوكب.

الجنوب كان ولا يزال خط الدفاع الحقيقي

لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوات الجنوبية التي خاضت معارك مباشرة ضد تنظيم القاعدة والحوثيين كانت تمثل قوة ميدانية حقيقية، لا مجرد أرقام في كشوفات الرواتب.

ومن حضرموت والمهرة إلى الضالع وشبوة وأبين وعدن، كانت القوات الجنوبية المدعومة إماراتيا، في قلب معركة مكافحة الإرهاب وتأمين الأرض الجنوبية، بينما كانت المعركة الكبرى ضد الحوثيين تحتاج إلى قوة موحدة وقرار عسكري مستقل بدل إعادة إنتاج الانقسامات القديمة.

ولهذا فإن ضرب الشريك الجنوبي، وتفكيك المجلس الانتقالي، وإقصاء القوى التي تمتلك حضورًا ميدانيًا حقيقيًا، لم يؤدِ إلى تقوية المعسكر المناهض للحوثيين، بل ساهم في إضعافه.

والنتيجة واضحة اليوم: الحوثيون يتقدمون إلى باب المندب، والساحل الغربي ينهار، بينما تتكشف أمام العالم حقيقة أن جزءًا من القوة التي جرى التعويل عليها لم يكن موجودًا إلا في الأوراق.

السؤال الذي لا تستطيع الرياض الهروب منه

بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال: كم أنفقت السعودية في اليمن؟

السؤال الحقيقي هو: ماذا أنتج هذا الإنفاق؟

هل أنتج جيشًا وطنيًا موحدًا؟

هل حمى باب المندب؟

هل أنهى خطر الحوثيين؟

هل بنى دولة يمنية مستقرة؟

أم أنتج شبكة من الولاءات السياسية والعسكرية، بعضها قائم على كشوفات متضخمة، وانتهى بها الأمر إلى ترك أهم الجبهات الاستراتيجية مكشوفة أمام الحوثيين؟

إن سقوط الساحل الغربي واقتراب الحوثيين من باب المندب ليس مجرد خسارة جغرافية، بل شهادة قاسية على فشل سياسة كاملة.

سياسة أضعفت الشركاء الحقيقيين على الأرض، وأقصت الإمارات وقواتها، وضربت القوى الجنوبية، وسعت إلى تفكيك المجلس الانتقالي، وفتحت الطريق أمام عودة قوى حزبية إلى الجنوب، بينما بقي الحوثي هو المستفيد الأكبر من هذا الصراع على النفوذ.

واليوم، وبعد أن أصبح باب المندب في قلب الأزمة، لم يعد ممكنًا تغطية الفشل بالشعارات.

فالواقع العسكري لا يعرف «جنودًا على الورق».

إما أن تكون القوة موجودة في الميدان وتقاتل، أو أنها ليست قوة أصلًا.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic