مقالات الرأي

إذا كانت الأموال منهوبة… فلماذا تذكرتموها اليوم؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

فجأة، وبعد سنوات طويلة من الصمت، استيقظت مؤسسات الدولة لتكتشف أن هناك أموالاً منهوبة يجب الحجز عليها واستعادتها. وفجأة أيضاً، تحركت الإجراءات القانونية، وصدرت التوجيهات، وارتفعت لغة مكافحة الفساد وحماية المال العام.

لا أحد يمكن أن يعترض على استعادة أي مال عام أو محاسبة أي متورط في نهب ثروات الشعب، بل إن ذلك واجب تأخر كثيراً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إذا كانت هذه الأموال منهوبة فعلاً، فلماذا لم تتحرك الجهات المختصة عندما كانت الوقائع تُنشر على الملأ؟ ولماذا تذكرتها اليوم فقط؟
اليمنيون لم يسمعوا اليوم لأول مرة عن قضايا فساد أو استيلاء على المال العام. فمنذ سنوات تتداول وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عشرات الملفات والتقارير والاتهامات المتعلقة بالعبث بالإيرادات العامة، ونهب الأراضي، والتصرف غير القانوني بالموارد والثروات، دون أن يرى المواطن نتائج حقيقية لتحقيقات أو محاكمات أو استرداد للأموال.
وإذا كان تحريك هذا الملف اليوم دليلاً على أن القانون ما زال قادراً على الحركة، فإن اليمنيين يتساءلون:

أين كان هذا القانون طوال السنوات الماضية؟
أين ملفات الأراضي العامة التي قيل إنها نُهبت بمبالغ هائلة؟
أين قضايا الإيرادات النفطية والغازية التي ظلت محل جدل وتساؤلات مستمرة؟
أين التحقيقات في أوجه صرف المنح والمساعدات التي أُعلنت بمليارات الدولارات؟
أين ملفات الفساد في الكهرباء والمياه والاتصالات والمشاريع المتعثرة؟
أين قضايا التوظيف الوهمي والازدواج الوظيفي واستنزاف الموازنة العامة؟
أين ملفات تزوير الشهادات والمؤهلات العلمية ومنح الألقاب والدرجات خارج الأطر القانونية؟
أين قضايا القبول المخالف للقانون في بعض المؤسسات التعليمية والعسكرية؟
أين التحقيقات في السجون ومراكز الاحتجاز خارج إطار القانون؟
أين ملفات الاختطافات والإخفاء القسري التي تحدثت عنها منظمات حقوقية وأسر الضحايا؟
أين قضايا الاغتيالات والتصفيات السياسية التي قُيد معظمها ضد مجهول؟
أين ملفات التعذيب والانتهاكات التي وثقتها تقارير وشهادات علنية؟
أين قضايا تهريب المشتقات النفطية والعبث بالمنافذ البرية والبحرية والجمارك؟
أين التحقيق في الانهيار المستمر للخدمات الأساسية رغم الموارد والمساعدات والقروض والمنح؟
بل أين ملفات التقصير الجسيم في أداء الوظيفة العامة عندما تُترك مدن بأكملها بلا كهرباء أو مياه أو تعليم أو رعاية صحية، دون أن يُحاسب مسؤول واحد على النتائج؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب العدالة ليس فقط غيابها، بل انتقائيتها. فالقانون الذي يتحرك ضد خصم ويتوقف أمام حليف، والقانون الذي يستيقظ عند الخلافات السياسية وينام عند معاناة المواطنين، يفقد هيبته ويثير الشكوك حول دوافع تطبيقه.
ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية أموال فقط، بل قضية ثقة. فالشعب يريد أن يرى دولة تحاسب الجميع بمعيار واحد، لا أن تتحول ملفات الفساد إلى أوراق تُفتح عند الخصومة وتُغلق عند المصالحة.

إن استعادة المال العام مطلوبة، ومحاسبة الفاسدين واجبة، لكن ذلك لا يكتمل إلا إذا شمل جميع الملفات، وجميع الأطراف، وجميع الجرائم التي أضرت بالدولة والمجتمع دون استثناء.
أما إذا كان القانون قد تذكر هذه القضية وحدها بعد سنوات من الصمت، فإن السؤال سيظل قائماً:

هل استيقظ القانون أخيراً؟
أم أن القانون لم يستيقظ إلا لأن الشركاء اختلفوا؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic