مقالات الرأي

22 مايو… رغم الخيبات سيبقى الوطن أكبر

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

في الوقت الذي يرفع فيه البعض الأعلام ويطلقون الأغاني احتفالًا بذكرى الوحدة، هناك في الجنوب قلوب مثقلة لا تستطيع أن تنسى ما حدث.
لا تستطيع أن تنسى كيف تحولت أحلام البسطاء إلى خيبات، وكيف دخل الناس الوحدة بقلوب مليئة بالأمل، ثم وجد كثير منهم أنفسهم أمام منظومة لا تشبه الدولة التي حُلِم بها.

دخلنا الوحدة ونحن نحلم بوطن يحترم الإنسان، فإذا بثقافة الفيد تتسلل إلى مؤسسات الدولة.
حلمنا بالشراكة، فإذا بالنفوذ يبتلع كل شيء.
حلمنا بالجمهورية، فإذا بعقلية المشيخة والولاءات الضيقة تعود بوجه جديد.
حلمنا بدولة قانون، فإذا بالفساد يصبح أذكى من القانون نفسه… إلا من رحم ربي.

لم يكن الجنوبي البسيط يكره الوطن، بل كان يكره أن يشعر أنه مجرد رقم زائد في معادلة النفوذ.
كان يكره أن يرى الوظائف العامة توزع كغنائم، والثروات تنهب، والولاءات تشترى، والكرامة تهان، ثم يطلب منه بعد كل ذلك أن يصفق ويبتسم.

لقد ارتكب الفاسدون جريمة كبرى حين جعلوا الناس يخلطون بين الوطن وبين من سرقوا الوطن.
بين الوحدة وبين من شوهوها.
بين الجمهورية وبين من حولوا الجمهورية إلى مزرعة مصالح… إلا من رحم ربي.

ومع ذلك…
لن نهرب من وطننا.
لن نلعن الحلم لأن اللصوص عبثوا به.
لن نترك اليمن للفاسدين ولا لتجار الحروب ولا لعبدة الغنائم.
سنواجه ثقافة التوريث، وثقافة النهب، وثقافة تحويل المسؤولية إلى وسيلة للإثراء الشخصي.
سنواجه عقلية ما قبل الدولة، وعقلية “هذا تابع لنا” و”هذه حصتنا”، وعقلية شراء الذمم وإهانة الكفاءات… إلا من رحم ربي.
وسيظل في داخل كل يمني شريف حلم كبير بوحدة عادلة، لا وحدة يعلو فيها المتنفذ على المواطن، ولا تدار فيها البلاد بعقلية المنتصر والمهزوم.

وها هم اليوم، وفي الوقت الذي يستعد فيه الناس لاستقبال العيد بما تبقى من صبر، يفاجئونهم بقرارات جديدة ستشعل الأسعار وتطحن ما تبقى من قدرة الفقراء على الاحتمال.
قرار تحرير الدولار الجمركي لم يكن مجرد رقم اقتصادي بارد، بل كان رسالة قاسية أخرى تصل إلى موائد البسطاء الخاوية، وإلى الآباء الذين باتوا يخجلون من عجزهم أمام احتياجات أطفالهم مع كل عيد… إلا من رحم ربي.
أي وطن هذا الذي يترك فيه المواطن وحيدًا أمام الجوع والانهيار وارتفاع الأسعار، بينما يتقاسم المتنفذون الغنائم ويتحدثون باسم الوطنية؟
وأي مسؤولية وطنية تلك التي تجعل القرارات الاقتصادية تقع دائمًا فوق رؤوس الفقراء، لا فوق شبكات الفساد والهدر والامتيازات؟
لقد تعب الناس كثيرًا، ليس فقط من الحرب، بل من الإحساس المرير بأن البسطاء وحدهم من يدفعون الثمن في كل مرة.
ومع ذلك سيبقى الفرق كبيرًا بين وطن نحلم بإنقاذه، وبين منظومات أرهقته وأفقرت شعبه وشوهت معاني العدالة فيه.

نعم… تألمنا كثيرًا.
ونعم… خُدع الناس كثيرًا.
لكن الوطن سيبقى أكبر من حفنة لصوص، وأكبر من الفساد، وأكبر من كل التشوهات التي زرعت عمدًا في جسد الجمهورية.
ولهذا سنحتفل بالوطن… لا بالفاسدين.
وسنتمسك بالحلم العظيم الذي أقسمنا ألا نتراجع عنه:
وطن عادل، يحترم أبناءه جميعًا، ويعيد لليمني كرامته أينما كان.

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic