الكرة العدنية والإستدراج السياسي

بقلم: أنور الحوثري
في زمنٍ تتكدّس فيه الجراح فوق صدور الناس، يبدو الإصرار على إقامة دوريٍّ كرويٍّ موحّد وكأنه محاولة لطلاء المشهد السياسي بالألوان الرياضية لإخفاء ما تحته من تصدّعات دامية. فحين تُدفن أحلام الجنود القتلى في المهرة وحضرموت تحت تراب الصمت، يصبح الحديث عن “وحدة الملاعب” أقرب إلى خطابٍ دعائيّ يسعى لصناعة صورةٍ مغايرة لما يعتمل في الواقع من احتقانٍ وغضبٍ وشعورٍ بالخذلان.
إن السلطة التي تعجز عن صناعة العدالة كثيراً ما تلجأ إلى صناعة المشاهد الرمزية. والرياضة، بما تملكه من قدرة على جذب العاطفة الجماهيرية، تتحول أحياناً إلى أداةٍ سياسية تُستخدم لتجميل التناقضات، وكأن ركض اللاعبين فوق العشب الأخضر قادرٌ على محو آثار الدم فوق التراب اليابس. ولهذا يرى كثيرون أن إجبار أندية عدن على الذهاب إلى صنعاء في هذا التوقيت ليس فعلاً رياضياً خالصاً، بل رسالة سياسية يراد منها الإيحاء بأن كل شيء ما يزال طبيعياً، وأن الجنوب ما يزال مندمجاً في مشروعٍ لم يعد معظم أبنائه يؤمنون بعدالته.
والمفارقة المؤلمة أن الشعوب المنهكة بالفقر وانهيار الخدمات ونهب الثروات تُدفع دائماً إلى الانشغال بالهامش فيما تُدار فوق رؤوسها صفقات المصالح الكبرى. فحين يصبح النفط الجنوبي وقوداً لتحالفات النفوذ، تتحول الرياضة والثقافة والإعلام إلى ستائر كثيفة لإخفاء حقيقة الصراع على الثروة والسلطة.
ومهما تعددت محاولات التجميل، تبقى الحقيقة أكثر عناداً من أي خطاب؛ إذ لا يمكن إقناع الناس بوحدةٍ عادلة بينما يشعرون بأنهم يعيشون داخل معادلة مختلّة، تُؤخذ فيها الثروات من أرضٍ، بينما يبقى أهلها غارقين في الأزمات والحرمان.



