الجنوب العربي ..بين مخاطر التفكيك وفرصة بناء المستقبل

بقلم: ا.د احمد الشاعر باسردة
يمر الجنوب العربي اليوم بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة، حيث تتداخل العوامل السياسية والديموغرافية والاقتصادية في صياغة واقع معقد يهدد هويته ومستقبله. لم يعد الحديث عن أزمات عابرة أو تحديات تقليدية، بل أصبحنا أمام حالة تفكيك تدريجي تستهدف البنية العميقة للمجتمع الجنوبي، سواء من خلال إضعاف التماسك الاجتماعي، أو إعادة تشكيل الخارطة السكانية بطرق غير طبيعية، أو عبر تكريس الانقسامات السياسية التي تُدار في كثير من الأحيان من خارج الإرادة الوطنية الجنوبية.
هذا التفكيك لا يأتي بمعزل عن سياق إقليمي ودولي أوسع، حيث تتحول بعض الجغرافيا إلى ساحات صراع نفوذ، وتُستخدم فيها الأدوات الناعمة والخشنة لإعادة تشكيل الواقع بما يخدم مصالح قوى متعددة. وفي هذا الإطار، يبدو الجنوب وكأنه حبيس تجاذبات مصطنعة، تُغذى أحياناً بخطاب إعلامي متوتر، وأحياناً أخرى عبر تدخلات مباشرة في قراره السياسي، ما يُفقده القدرة على التعبير الحر عن خيارات شعبه، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير.
الخطورة في المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في حجم التحديات، بل في طبيعتها المركبة، إذ لم يعد التهديد عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل أصبح يمتد إلى عمق النسيج الاجتماعي، ويستهدف الهوية والانتماء. وهذا النوع من التهديدات هو الأخطر، لأنه يعمل بصمت، ويُحدث تأثيراته على المدى الطويل، وقد لا تظهر نتائجه إلا بعد أن تكون قد ترسخت وقائع جديدة يصعب تغييرها.
منذ استقلال الجنوب عن بريطانيا عام 1967، لم يشهد هذه الدرجة من التعقيد والتشابك في التحديات. ففي السابق، كانت المعارك أكثر وضوحاً، وكانت الاصطفافات أقل ضبابية، أما اليوم، فإن تعدد الفاعلين وتضارب الأجندات يجعل من الصعب تحديد ملامح الصراع بدقة، وهو ما يتطلب مستوى أعلى من الوعي السياسي، وقدرة أكبر على قراءة المشهد بعمق، بعيداً عن الانفعالات أو الحسابات الضيقة.
في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة صياغة مشروع وطني جنوبي يقوم على أسس استراتيجية واضحة، لا تكتفي برفع الشعارات، بل تضع أهدافاً قابلة للتحقيق، وتحدد الوسائل والآليات اللازمة للوصول إليها. هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من فهم دقيق للداخل الجنوبي بكل مكوناته، وأن تعمل على إعادة بناء الثقة بين القوى المختلفة، وتوحيد الجهود في إطار رؤية جامعة، تتجاوز الخلافات الثانوية، وتُعلي من المصلحة الوطنية العليا.
إن الحديث عن إقامة وطن جنوبي فيدرالي خارج دائرة الهيمنة ليس مجرد طموح سياسي، بل هو مشروع يتطلب بنية مؤسسية قوية، ونظاماً سياسياً رشيداً، وقدرة على إدارة التنوع بطريقة تضمن العدالة والمشاركة. الفيدرالية هنا لا ينبغي أن تكون أداة لتكريس الانقسام، بل وسيلة لتعزيز الوحدة في إطار من اللامركزية التي تتيح لكل منطقة إدارة شؤونها ضمن دولة واحدة قوية ومتماسكة.
كما أن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح دون قاعدة اقتصادية صلبة. الجنوب يمتلك من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي ما يؤهله ليكون دولة فاعلة في محيطه، لكن هذه الإمكانات تظل معطلة في ظل غياب الاستقرار ووضوح الرؤية. لذلك، فإن بناء استراتيجية اقتصادية متكاملة، تقوم على استثمار الموارد بشكل عادل وشفاف، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، سيكون أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الهوية والقيم من الركائز الأساسية لأي مشروع نهضوي. فالمجتمعات التي تفقد بوصلتها القيمية تصبح أكثر عرضة للاختراق والتفكك. وفي هذا السياق، فإن استعادة القيم الجنوبية الأصيلة، من عفة النفس، والتمسك بالكرامة، والالتفاف حول المصلحة العامة، تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التفكيك. هذه القيم يجب أن تُترجم إلى سلوك يومي، وإلى ثقافة عامة تُعزز مناعة المجتمع، وتجعله أكثر قدرة على الصمود.
المرحلة الحالية تتطلب أيضاً الانتقال من حالة رد الفعل إلى الفعل المبادر، ومن الخطاب العاطفي إلى العمل المنظم. فالتحديات الكبيرة لا تُواجه بالشعارات، بل بالخطط المدروسة، والعمل التراكمي، وبناء المؤسسات القادرة على الاستمرار. كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق القيادات السياسية فقط، بل تشمل النخب الفكرية، والإعلاميين، والشباب، وكل فئات المجتمع، لأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
إن الدعوة إلى “ربط الأحزمة” ليست تعبيراً عن الخوف، بل عن الاستعداد لمرحلة تتطلب قدراً عالياً من الانضباط والتضحية. فبناء الأوطان هو عملية طويلة ومعقدة، تحتاج إلى صبر وإرادة، وإلى قدرة على تجاوز العقبات دون الانزلاق إلى اليأس أو الإحباط. والجنوب، بما يمتلكه من تاريخ نضالي، ومن موارد بشرية وطبيعية، قادر على تجاوز هذه المرحلة، إذا ما أحسن قراءة الواقع، واتخذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع الجنوب تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة التأسيس؟ الإجابة على هذا السؤال تتوقف على مدى قدرة أبنائه على توحيد صفوفهم، وبناء مشروعهم الوطني على أسس صلبة، بعيداً عن التبعية والانقسام. فالأجيال القادمة لن تحاسب على حجم التحديات التي واجهناها، بل على الطريقة التي تعاملنا بها معها، وعلى ما إذا كنا قد نجحنا في تحويلها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً، أم تركناها تتحول إلى نقطة انهيار يصعب التعافي منها
* رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering



