مقالات الرأي

المحضار.. طائرٌ يصنع من الشوق أجنحةً 

بقلم: أنور الحوثري

ثمة شعراء يصفون الحنين، وثمة شعراء يجعلون الحنين كائناً حياً يمشي بين الناس ويتنفس في الأزقة ويقيم أعشاشه في القلوب. ومن هؤلاء يأتي الشاعر الحضرمي الكبير حسين أبو بكر المحضار، ذلك الذي لم يكتفِ بأن يغني للذكرى، بل جعل الذكرى وطناً متنقلاً يسكنه أينما ارتحل.

حين يقول:

طائر بلا ريش

صانع من الشوق ريشي

فإننا لا نكون أمام استعارة عابرة، بل أمام رؤية فلسفية للحياة نفسها. فالإنسان في رحلة العمر يفقد كثيراً من أجنحته؛ يفقد شبابه، ويفقد بعض أحبته، وتتساقط من روحه أوراق كثيرة كما تتساقط أوراق الخريف من أغصان اشجارها . لكنه، في المقابل، يكتشف أن الشوق قادر على أن يعيد إليه ما سلبه الزمن. وكأن المحضار يقول إن القلب يمتلك ورشة سرية يعيد فيها ترميم أجنحته المكسورة من مادة الحنين الخالص.

إنه طائر جُرّد من الريش، لكنه لم يُجرّد من القدرة على التحليق.

ولعل أكثر ما يدهش في هذه القصيدة أن الطائر لا يفتنه البريق. فهو يطوف بالقصور، يرى الشرفات المذهبة، والأبواب العالية، والسقوف المزينة بألوان الترف، لكنه يعود مشتاقاً إلى عريشه البسيط:

كم طفت بقصور

ما ودّى إلا عريشي

وكأن المحضار هنا يعيد تعريف معنى الثروة. فالثروة ليست فيما نملك، بل فيما ننتمي إليه. والقصور مهما علت جدرانها تبقى باردة إذا خلت من الذكريات، بينما يتحول العريش المتواضع إلى قصر سماوي إذا ازدحم بأصوات الأحبة وضحكاتهم القديمة.

إن الإنسان لا يشتاق إلى الحجر، بل إلى ما علق بالحجر من أرواح.

ولذلك يبدو العريش في القصيدة أشبه بمعبد للذاكرة. هناك، في ذلك الركن البعيد من الزمن، ما زالت خطوات الصبا و (( مراحل الغُشْم والطيش )) تتردد فوق التراب، وما زالت ظلال الوجوه القديمة ترفرف كأسراب حمام عائدة إلى أعشاشها عند الغروب.

ثم يبلغ الخيال المحضاري ذروة رقته حين يقول:

الغصن يذبل

ومحبة الأغصان ما تذبل

يا لها من حكمة تخرج من عباءة الشعر.

فالغصن هنا رمز لكل شيء يخضع للفناء؛ الإنسان، والمكان، والعمر، والأيام. أما المحبة فهي العصارة السرية التي تظل جارية في جذور الروح حتى بعد أن يجف ظاهر الشجرة. يذبل الغصن، لكن القلب يواصل اخضرارَه. ويرحل الأحباب، لكن ظلالهم تبقى معلقة على جدران الذاكرة مثل مصابيح لا تنطفئ.

إن المحضار لا يحب الأشخاص لأنهم حاضرون، بل لأنهم أصبحوا جزءاً من تكوينه الداخلي. ولهذا يقول:

حتى إذا هو غاب ما يسأل

عليه أسأل

إنه وفاء يشبه النبع؛ لا يسأل الأرض إلى أين يذهب ماؤه، ولا ينتظر منها مقابلاً. فبعض العلاقات النبيلة ترتقي فوق منطق الأخذ والعطاء لتصبح جزءاً من هوية الإنسان نفسها.

وفي موضع آخر من القصيدة نرى الطائر يواصل ترحاله بين السهل والجبل، حاملاً أثقال الوجد والأشواق. وليس هذا الترحال انتقالاً جغرافياً بقدر ما هو عبور بين طبقات الزمن. فكل خطوة يخطوها تقوده إلى ذكرى، وكل منعطف يعيده إلى وجه قديم، وكل نسمة تمر بجواره توقظ في قلبه موسيقى بعيدة كانت نائمة تحت رماد السنين.

هنا يصبح الشوق جناحين، وتصبح الذاكرة سماء.

ولذلك تأتي العبارة الشحرية المكثفة:

وفيش مني ترى فيش

كأنها تنهيدة عمر كامل. ليست شكوى من تعب الجسد وحده، بل اعتراف بأن القلب استهلكته الرحلات الطويلة بين مواطن الأحباب. إنها عبارة تشبه مصباحاً يوشك زيته أن ينفد، لكنه ما يزال يصر على إضاءة الطريق.

وليس غريباً أن تتكرر رمزية الطائر في عالم المحضار. فالطائر عنده ليس مجرد صورة شعرية، بل مرآة للإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي يعيش ممزقاً بين حاجته إلى التحليق وحاجته إلى العودة. يطير بعيداً في فضاءات الحياة، لكنه يظل مشدوداً بخيط خفي إلى العش الأول.

ولهذا فإن المحضار حين يغني للطائر، إنما يغني للإنسان. وحين يتحدث عن العريش، إنما يتحدث عن الوطن الداخلي الذي نحمله معنا أينما ذهبنا. وحين يصنع من الشوق ريشاً، فإنه يمنحنا درساً عميقاً في مقاومة الفقد؛ فالأرواح العظيمة لا تسقط حين تتكسر أجنحتها، بل تتعلم كيف تنسج أجنحة جديدة من خيوط الحنين.

وهكذا يبقى المحضار شاعراً استثنائياً، يحول الذكريات إلى أعشاش، والأشواق إلى أجنحة، والزمن إلى سماء واسعة يحلق فيها قلبه وحيداً، لكنه لا يكف عن البحث، ولا يتوقف عن السؤال، ولا يملّ العودة إلى ذلك العريش القديم الذي ما زال يسكنه الحب منذ قديم الزمن.

 

بقلم انور الحوثري

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic