بعد البيانات الرسمية العنترية… أين الدولة؟ وأين أثرها؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق
منذ أكثر من ثمانٍ وأربعين ساعة، تابع اليمنيون بيانات رسمية صيغت بلغة حاسمة، وأُحيطت بمفردات استعادة الدولة، وحماية السيادة، ومواجهة التحديات. وظهر المسؤولون بالزي العسكري أمام الكاميرات في مشهد أراد أن يوحي بأن مرحلة جديدة قد بدأت.
لكن بعد أن انفضت المؤتمرات، وغادرت الكاميرات، بقي سؤال واحد يفرض نفسه:
أين الدولة؟ وأين أثرها؟
لقد أُعلن عن استئناف تصدير النفط، وهو قرار انتظره اليمنيون سنوات طويلة، بينما كانت العملة تنهار، والرواتب تتآكل، والخدمات تتراجع، وملايين المواطنين يقتربون من حافة الفقر والجوع. ومع أهمية القرار، يبقى السؤال المشروع: لماذا الآن؟
هل جاء أخيراً استجابة لمعاناة اليمنيين، أم أن توقيته ارتبط بمتغيرات إقليمية وضرورات تتجاوز الداخل اليمني؟ وهل كانت حماية مصالح اليمن هي الدافع الأول، أم أن هناك أولويات أخرى فرضت نفسها؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها بيان، بل تجيب عنها الوقائع.
المشكلة ليست في إصدار البيانات، فالبيانات جزء من العمل السياسي، وإنما في أن تتحول إلى بديل عن الفعل. فلا دولة تُستعاد بالكلمات، ولا سيادة تُفرض بالتصريحات، ولا مؤسسات تُبنى بالخطابات، مهما بلغت بلاغتها.
وإذا كانت التقارير المتداولة عن تعرض ناقلات وسفن تجارية للاستهداف، واضطرار سفن أخرى إلى تغيير مساراتها، تؤكد شيئا، فهي أن البحر لا يقرأ البيانات، وأن الميدان وحده هو الذي يختبر صدقية الخطاب السياسي. فالأحداث لا تنتظر انتهاء المؤتمرات الصحفية، بل تفرض إيقاعها على الجميع.
لقد اعتاد اليمنيون خلال سنوات الحرب بيانات تبدأ بعبارات القوة والحسم، لكنها غالباً ما تنتهي عند حدود الورق. بل إن بعض المبادرات والبيانات المحلية أو القبلية، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، تركت أثراً ميدانياً أسرع من بيانات رسمية يفترض أنها تصدر باسم الدولة وتحظى بدعم تحالف إقليمي.
وهنا لا يتوقف السؤال عند الحكومة اليمنية وحدها، بل يمتد إلى التحالف العربي، الذي خاض هذه الحرب تحت عناوين كبيرة: استعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب، وحماية الأمن القومي العربي.
بعد أكثر من عقد، من حق الجميع أن يسأل: أين نتائج هذه الأهداف؟
لقد دفعت اليمن الثمن الأكبر؛ اقتصاداً منهاراً، ومؤسسات ضعيفة، وعملة متراجعة، ومجتمعاً أنهكته الحرب. لكن آثار هذا المسار لم تتوقف عند اليمن، بل امتدت إلى المنطقة بأسرها، مع تصاعد تهديدات الملاحة الدولية، وارتفاع كلفة الأمن، واتساع دائرة الاستنزاف السياسي والاقتصادي.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس تشكيكاً في النوايا، بل دعوة إلى مراجعة التجربة بصدق. فالحروب لا تُقاس بطولها، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها، وأي استراتيجية لا تنتج نتائج تستحق أن تُراجع.
أما الاكتفاء بإنتاج بيانات أكثر حدة، وصور أكثر استعراضاً، فلن يغير الواقع. فالمواطن لا يبحث عن خطاب جديد، بل عن دولة حاضرة، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد يتعافى، وقرار ينعكس على حياته اليومية.
قد يكتب الذكاء الاصطناعي بيانا أكثر بلاغة، لكن لا الذكاء الاصطناعي، ولا أجمل العبارات، يستطيعان حماية سفينة، أو تأمين ممر بحري، أو استعادة دولة، أو فرض السيادة. وحدها الإرادة السياسية، والقرار، والعمل، هي التي تصنع ذلك.
ولهذا، لم يعد السؤال الذي يشغل اليمنيين: ماذا قالت البيانات؟
بل أصبح السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته:
ماذا فعلت الدولة؟




