مقالات الرأي

الحل العاجل والواقعي .. عودة البراميل

بقلم: أ. د. أحمد الشاعر باسردة

بعد ستة وثلاثين عاماً من إعلان الوحدة اليمنية، لم يعد بالإمكان التعامل معها كخيار قائم أو مشروع قابل للإصلاح، بل كحالة سياسية انتهت فعلياً على أرض الواقع وإن بقيت شكلياً في الخطاب الرسمي. لقد تحولت الوحدة من حلم وطني جامع إلى واقع مثقل بالحروب والصراعات والانقسامات، حتى باتت أحد أبرز أسباب عدم الاستقرار في الشمال والجنوب على حد سواء. الوحدة التي كان يفترض أن تكون جسراً للتنمية والازدهار، أصبحت ساحة مفتوحة للصراع، وأنتجت أزمات متراكمة عمّقت الكراهية وزرعت الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. ستة وثلاثون عاماً كانت كافية لإثبات أن هذا المشروع لم ينجح في تحقيق أهدافه، بل فشل في بناء دولة عادلة، أو خلق شراكة حقيقية، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. الحروب المتكررة، منذ 1994 وما تلاها، لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت مؤشرات واضحة على أن الوحدة لم تقم على أسس متينة. ومع مرور الزمن، توسعت الفجوة، وتوقفت عجلة التنمية في الشمال والجنوب، وانهارت مؤسسات الدولة، وتفككت الروابط الاجتماعية، ووجدت التدخلات الخارجية بيئة خصبة للتغلغل والتأثير. إن الرهان على استمرار هذه الوحدة بصيغتها الحالية هو رهان خاسر، لأن الوقائع على الأرض تؤكد أنها لم تعد قابلة للحياة. لا يوجد انسجام سياسي، ولا توافق مجتمعي، ولا رؤية مشتركة للمستقبل. بل إن استمرارها بهذا الشكل يعني استمرار النزيف، واتساع رقعة الفقر، وتعميق الأزمات الإنسانية. من هنا، فإن العودة إلى العقل والمنطق والواقعية السياسية تفرض إعادة النظر الجذرية في هذا المسار. لم يعد من المجدي التمسك بشعارات فقدت مضمونها، بل المطلوب هو البحث عن حلول عملية تنهي هذا الصراع المزمن. وفي هذا السياق، تبرز فكرة عودة “البراميل” بين الشمال والجنوب كخيار واقعي يهدف إلى فك الاشتباك ووقف الحروب، وفتح الطريق أمام كل طرف لبناء دولته وفق إرادته ومصالح شعبه. عودة البراميل ليست دعوة إلى الانقسام بقدر ما هي محاولة لإنهاء حالة صراع مستمرة منذ عقود. هي خطوة نحو إعادة ترتيب الواقع بما يحقق الاستقرار، ويمنح كل طرف فرصة للنهوض بعيداً عن الإكراهات السياسية التي فرضتها وحدة فاشلة. فبدلاً من البقاء في دائرة العنف والفوضى، يمكن أن يشكل هذا الخيار بداية لمرحلة جديدة تقوم على حسن الجوار والتعاون المتكافئ. لقد أثبتت التجربة أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى على التناقضات العميقة، بل يقوم على التوافق والقبول المتبادل. وعندما تغيب هذه الأسس، يصبح الانفصال المنظم أقل كلفة من الوحدة القسرية. لذلك، فإن الإصرار على بقاء وضع مختل لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار. إن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بوضوح هي أن الوحدة اليمنية، بصيغتها التي قامت عام 1990، قد انتهت فعلياً، ولم تعد تمثل إطاراً صالحاً لإدارة الدولة أو تحقيق تطلعات الشعب. والاستمرار في إنكار هذه الحقيقة لن يغير الواقع، بل سيزيده تعقيداً. الطريق إلى المستقبل يبدأ بالاعتراف بالفشل، والتحلي بالشجاعة لاتخاذ قرارات صعبة، لكنها ضرورية. وعودة البراميل بين الشمال والجنوب قد تكون، في هذه المرحلة، المخرج العملي الوحيد لوقف الحروب، واستعادة الاستقرار، وفتح صفحة جديدة نحو بناء أوطان آمنة ومستقرة بعيداً عن صراعات الماضي، وبالتالي كسر شوكة التدخلات الخارجية وكفى ر ئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish