مقالات الرأي

بين قهر المظلومين و تنمّر الباطل

بقلم: أنور الحوثري

حين نتأمل قصص الأنبياء في القرآن الكريم، ندرك أن طريق الحق لم يكن يوماً مفروشاً بالورود. فقد طارد فرعون سيدنا موسى عليه السلام، وسعى إلى قتله لأنه أراد تحرير قومه من ربقة الاستبداد، لكن الله نصره في النهاية وجعل الطغيان يغرق أمام أعين الناس. وكذلك سيدنا يوسف عليه السلام، خانه إخوته فألقوه في غيابة الجب، ثم تعرض لفتنة امرأة العزيز، وظُلِم فسُجن وهو بريء، لكن الله هيأ له من المحن سلماً إلى التمكين.
هذه القصص ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي سنن إلهية تتكرر في حياة البشر. فكثيراً ما يتعرض أصحاب المبادئ لحملات التشويه، ويصبح الصادق متهماً، والمخلص خائناً، بينما يتصدر المشهد أصحاب المصالح والدعاية المستقوين بفارق التسليح والباطل ممن يُسقطون على الجنوبيين الجدد صفات الإشتراكيين القدامى زوراً وبهتاناً لأغراض في نفس يعقوب ، وقد شهد التاريخ زعماء ومصلحين وطنيين نُفوا، وسُجنوا، وطوردوا، لأنهم تمسكوا بما رأوه حقاً وكشفوا حقائق النهب واللصوصية ، بينما نجح خصومهم، ولو إلى حين، في قلب الحقائق حتى بدا الجلاد في صورة الضحية، والضحية في صورة الجاني، لكن الحقائق موثقة وسوف تظهر في حينها بإرادة الله.
إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس انتصار الباطل المؤقت، وإنما أن يرى بعض الحاقدين المتمصلحين من المرحلة يصدقونه ويصفقون له، وأن تتحول الأكاذيب إلى حقائق في نظر العامة الذين تغشهم الدعايات والتحريض المكثف مدفوع الأجر . غير أن هذا المشهد ليس جديداً، فقد عرفته الأمم قبلنا، وأخبرنا القرآن أن الباطل قد يعلو صوته، لكنه لا يملك البقاء. فالزبد يطفو فوق الماء زمناً، ثم يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
كيف نتقبل هذا الواقع؟ نتقبله بإدراك أن العدالة ليست دائماً عاجلة، وأن تأخرها لا يعني غيابها. فالصبر ليس استسلاماً للظلم، وإنما ثبات على المبدأ حتى يحين أوان انكشاف الحق. والمؤمن لا يقيس الحق بعدد أنصاره، ولا الباطل بكثرة أتباعه، بل يقيسهما بالميزان الأخلاقي الذي لا يتغير بتغير المصالح.
لربما ينتفخ الباطل بالسلطة والإعلام والمال، لكنه يظل هشاً مهما بدا قوياً. أما الحق فقد يبدو وحيداً، لكنه يستمد قوته من ثبات أصحابه ومن يقينهم بأن الأيام دول، وأن التاريخ كثيراً ما أنصف من ظُلِم بعد أن خذله أهل زمانه.
لذلك فإن أعظم ما نتعلمه من قصص الأنبياء ليس أن الشدائد ستختفي، بل أن الثبات عليها هو الطريق إلى الكرامة. فالحق قد يتأخر انتصاره، لكنه لا يموت، والباطل قد يطول أمده، لكنه لا يدوم، وتلك سنة الله في خلقه التي لا تتبدل.

بقلم انور الحوثري.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish