مقالات الرأي

وَأْدُ سيادةِ القرار الجمهوري.. (إقالة الدهني انتكاسةٌ لمبدأ المشروعية)

بقلم: د. إبراهيم الأهدل*

من نافلة القول، أنّ مبدأ المشروعية يشكِّل حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة، إذ يقوم على خضوع الإدارة للقانون واحترام تدرج القواعد القانونية داخل هرم السلطة. وأخطر ما يهدد هذا المبدأ هو أن يُواجه القرار الأعلى في الدولة بقرار أدنى منه مرتبةً، بما يؤدي إلى اضطراب البناء القانوني واهتزاز مبدأ سيادة القانون.

ومعلوم أنّ النظام السياسي في الجمهورية اليمنية يقوم على مبدأ ثنائية السلطة التنفيذية؛ فهو ليس نظاماً رئاسياً خالصاً ولا برلمانياً صرفاً، وإنما نظام مختلط تتوزع فيه السلطة التنفيذية بين رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، ولكل منهما اختصاصاته الدستورية المحددة التي لا يجوز لأي منهما تجاوزها أو الحلول محل الآخر إلا في الحدود التي رسمها الدستور والقانون.

ومن مقتضيات هذا البناء أن القرارات الجمهورية، باعتبارها في قمة الهرم الإداري، تتمتع بقوة ملزمة لا يجوز المساس بها أو تعديلها أو تعطيل آثارها بقرار صادر عن سلطة أدنى. فالقرار الجمهوري لا يلغى أو يعدل إلا بقرار جمهوري مماثل أو أداة أعلى منه، أو بحكم قضائي صادر عن جهة الاختصاص.

كما استقر الفقه والقضاء الإداريان على مبدأي الاختصاص وتوازي الأشكال؛ فالأول يوجب على كل سلطة الالتزام بحدود اختصاصها وعدم الافتئات على اختصاص سلطة أخرى، أما الثاني فيقضي بأن القرار الذي يصدر بأداة قانونية معينة لا يجوز إلغاؤه أو تعديله إلا بذات الأداة أو بما يعادلها أو يعلوها في القوة القانونية. وهما معاً يشكلان ضمانة لاستقرار المراكز القانونية وصون هيبة الدولة.

وفي هذا السياق، فإن القرار الإداري الصادر عن دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني بتاريخ ١٧/ ٦/ ٢٠٢٦، والذي ترتب عليه – ضمناً – إقصاء ابن تهامة وأحد كوادرها وخبراتها الإدارية، الدكتور محمد الدهني، من منصبه وكيلاً لمصلحة الجمارك، يثير إشكالاً قانونياً جاداً بشأن مدى مشروعيته. ذلك أنّ تعيين المذكور تم بموجب قرار جمهوري رقم (٩٧) لسنة ٢٠١٧م، وهو قرار في الحقيبة من الناحية القانونية ما يزال قائماً ونافذاً ومنتجاً لكافة آثاره القانونية، ولا ينقضي – كأصل عام – إلا بقرار جمهوري مماثل أو سند قانوني صريح يجيز ذلك.

وعليه، فإن أي إجراء يترتب عليه إحلال شخص آخر محل الوكيل المعين بقرار جمهوري أو تجريده فعلياً من اختصاصاته دون سند صحيح، يُعد مخالفة لمبدأ المشروعية وافتئاتاً على قواعدِ الاختصاص ومبدأ تدرجِ القرارات الإدارية، بما يرتب عدم مشروعية القرار وما انبنى عليه من آثار.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن القضية لا تقف عند بعدها القانوني، بل تكتسب بعداً وطنياً وجغرافياً يتعلق بإقليم تهامة، ذلك الإقليم الذي يتمتع بثقل سكاني واقتصادي وإسهام تاريخي في دعم الدولة والجمهورية، ومع ذلك لا يزال قطاع واسع من أبنائه يرى أن تمثيل الكوادر التهامية في المناصب العليا لا يتناسب مع هذا الثقل. ومن ثم، فإن ما تعرض له الدكتور الدهني لا يُقرأ باعتباره إجراءً إدارياً فحسب، بل بوصفه واقعة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الشعور بضعف الشراكة الوطنية وتكافؤ الفرص.

وفي ضوء ذلك، فإن مقتضيات دولة القانون تفرض أحد مسارين لا ثالث لهما لمعالجة تلك الإشكالية: إما سحب القرار المخالف لمبدأ المشروعية وإعادة الاعتبار للهرم القانوني للدولة، أو اللجوء إلى القضاء المختص(المحكمة الإدارية بعدن) للفصل في مدى مشروعية ذاك القرار عبر دعوى الإلغاء ترفع في مواجهته.

وعليه، فإننا ننصح ونأمل من دولة الأخ رئيس مجلس الوزراء، وهو شخصية مخضرمة ذو خلفية قانونية رصينة، محل تقدير واحترام ومعروف بحرصه على إرساء دولة القانون وصون مبدأ المشروعية، أن يبادر إلى سحب القرار محل الإشكال احتراماً لمبدأ التدرج الهرمي في إصدار القرارات. وإن كان ولا بد من تفعيل مبدأ التدوير الوظيفي فليتم العمل على استصدار قرار جمهوري بترقية المذكور _ لا إقالته_ لمنصب نائب وزير المالية حسب ترشيحٍ سابق رُفع بشأنه لمؤسسة الرئاسة.

وختاماً، فإن صون سيادة القرارات الجمهورية واحترام قوتها الإلزامية يمثلان ضمانة عليا لاستقرار المراكز القانونية وانتظام عمل مؤسسات الدولة. ولم يكن استخدام لفظ «وأد» في عنوان هذا المقال من قبيل المبالغة؛ فتعطيل آثار قرارٍ جمهوري نافذٍ بقرار أدنى مرتبةً يعني عملياً دفن هيبته القانونية وهو لا يزال حيّاً قائماً ومنتجاً لآثاره، الأمر يعد انتكاسة لجوهر مبدأ المشروعية ويصيب بنيانه في الصميم.

*باحث في القانون العام.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish