أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

استقبال العيد بحضرموت.. طَبِّر يا مُطَبِّر!

 الإعلامي فهمي سليمان – حضرموت نيوز

في وادي حضرموت لم يعد المواطن يستقبل عيد الأضحى بالتكبيرات فقط، بل بقائمة طويلة من الطوابير التي أصبحت جزءاً من طقوس العيد الرسمية غير المعلنة.
فما إن يطل هلال ذي الحجة حتى يبدأ المواطن رحلته المباركة من طابور الغاز، ذلك الطابور الأسطوري الذي يحتاج صاحبه إلى زاد وماء ودعاء الوالدين حتى يخرج منه سالماً حاملاً أسطوانة كأنها غنيمة حرب. وإذا حالفه الحظ وحصل على الغاز قبل حلول عيد الأضحى القادم، ينتقل مباشرة إلى المحطة التالية في برنامج الحكومة الترفيهي: طابور البترول والديزل.
هناك يقف المواطن تحت شمس حضرموت الحارقة، يراقب عقارب الساعة وهي تذوب، بينما المسؤولون يراقبون البيانات الصحفية وهي تتكاثر. ساعات طويلة من الانتظار من أجل بضعة لترات من الوقود في محافظة تجلس فوق بحر من النفط والغاز، وكأن المواطن في دولة تستورد الطاقة من كوكب آخر لا من أرضه.
وبعد أن يفرغ من مهمة البحث عن الوقود، يتجه إلى طابور الحلاقة ليحاول إنقاذ ما تبقى من هيبته قبل العيد، فيكتشف أن نصف سكان الوادي قرروا الحلاقة في التوقيت نفسه، فيجلس منتظراً دوره وهو يتساءل: هل أنا في صالون حلاقة أم في مكتب لصرف المرتبات؟
أما إذا قرر هذا المواطن المسكين أن يحيي سنة الأضحية، فعليه أن يخوض الجولة الأخيرة والأكثر إثارة: طابور المذبح. هناك يكتمل المشهد العبثي؛ مواطن أمضى أياماً بين طوابير الغاز والوقود والحلاقة، ليجد نفسه أخيراً في طابور الذبح، وكأن العيد في وادي حضرموت تحول إلى سباق ماراثوني عنوانه: “من يصمد أكثر؟”
المؤلم في الأمر أن هذه الطوابير ليست قدراً إلهياً، ولا كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لفشل حكومي مزمن وفساد إداري مزروع في مفاصل الدولة منذ سنوات. فالأزمات المتكررة في الوقود والغاز والخدمات الأساسية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمواطن، رغم أن حضرموت من أغنى المحافظات اليمنية بالثروات النفطية والغازية. وتشير تقارير وأخبار متكررة إلى اضطرابات في إمدادات الغاز والوقود وانعكاسها المباشر على الخدمات العامة ومعاناة المواطنين.

لقد نجحت الحكومة، بكل جدارة، في تحقيق معادلة فريدة من نوعها: كلما زادت الثروات تحت الأرض، زادت معاناة المواطن فوقها.
ففي بلدان العالم تُقاس كفاءة الحكومات بسرعة إنجاز المعاملات، أما عندنا فتُقاس بطول الطوابير. وكلما ازداد طول الطابور، اعتبر المسؤول ذلك دليلاً على نجاح الخطة الاقتصادية، وربما عقد مؤتمراً صحفياً ليبشر المواطنين بأن الأزمة تحت السيطرة، وأن الطابور الحالي أفضل بكثير من طابور العام الماضي!
المواطن في وادي حضرموت لا يطلب المستحيل. لا يريد قصوراً ولا مواكب ولا خطابات رنانة. يريد فقط أن يحصل على الغاز دون إذلال، وعلى الوقود دون معاناة، وعلى الكهرباء دون انقطاع، وعلى عيد يشبه أعياد البشر لا أعياد الطوابير.
لكن يبدو أن السلطة ما زالت مصرة على تحويل حياة الناس إلى طابور مفتوح يبدأ من أسطوانة الغاز ولا ينتهي إلا عند أبواب اليأس.
وإلى أن تصحو الحكومة من سباتها العميق، لن يبقى أمام المواطن سوى أن يردد شعار المرحلة:
“طَبِّر يا مُطَبِّر… فالعيد قادم، والطابور أطول!”.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish