أهم الاخبارلا تقرأ هدا الخبر

اليمن يصوّت ضد نفسه وقرار أممي لتعويضات التغير المناخي

خاص – حضرموت نيوز

في وقت تتسابق فيه دول العالم لتعزيز جهود مواجهة التغير المناخي وحماية المجتمعات الأكثر تضرراً من آثاره، أثار تصويت اليمن ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن التغير المناخي موجة واسعة من التساؤلات والاستغراب، باعتبار أن اليمن تُعد من بين أكثر دول العالم هشاشة وتأثراً بالأزمات المناخية، رغم أنها من أقل الدول مساهمة في الانبعاثات الكربونية المسببة للاحتباس الحراري.

أمس، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار رقم A/80/L.65 بأغلبية ساحقة بلغت 141 دولة، مقابل اعتراض ثماني دول فقط، وذلك استناداً إلى الرأي الاستشاري التاريخي الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2025، والذي أكد وجود التزامات قانونية على الدول لمواجهة التغير المناخي والحد من الانبعاثات وحماية البيئة.

ويُعد القرار خطوة مهمة نحو تكريس مبدأ “المساءلة المناخية”، الذي يفتح المجال أمام الدول المتضررة من التغير المناخي للمطالبة بحقوقها وتعويضاتها من الدول الأكثر تسبباً في الانبعاثات والتلوث البيئي.

لكن المفارقة أن اليمن، التي يفترض أن تكون في مقدمة الدول المستفيدة من هذا التوجه الدولي، اختارت الانضمام إلى قائمة الدول الرافضة للقرار، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران وإسرائيل وبيلاروسيا وليبيريا.

دولة ضحية وليست متهمة

لا تُصنف اليمن ضمن الدول الصناعية الكبرى أو المساهمة بشكل مؤثر في الانبعاثات الغازية العالمية، بل تُعتبر من أقل دول العالم إنتاجاً لغازات الاحتباس الحراري. ومع ذلك، فإنها تواجه تداعيات مناخية قاسية تهدد مستقبلها المائي والغذائي والاقتصادي.

وتحتل اليمن مرتبة متقدمة عالمياً في مؤشرات شح المياه، إذ لا تتجاوز حصة الفرد من المياه المتجددة 86 متراً مكعباً سنوياً، مقارنة بالحد الأدنى العالمي البالغ 500 متر مكعب. كما تشهد بعض الأحواض المائية استنزافاً خطيراً للمياه الجوفية بمعدلات تصل إلى ثمانية أمتار سنوياً.

ويعني ذلك أن اليمن تستهلك اليوم جزءاً من احتياطياتها المائية المستقبلية، في ظل تراجع معدلات التجدد الطبيعي للمياه وارتفاع الطلب عليها.

الأمن الغذائي في دائرة الخطر

ولا تتوقف الأزمة عند المياه فقط، إذ يعاني أكثر من 17 مليون يمني من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينما يعتمد نحو 90 بالمائة من الإنتاج الزراعي على مياه الأمطار، ما يجعل القطاع الزراعي شديد التأثر بحالات الجفاف والتقلبات المناخية المتزايدة.

كما تفقد البلاد سنوياً ما بين 3 إلى 5 بالمائة من أراضيها الزراعية نتيجة التصحر والجفاف وتدهور التربة، الأمر الذي يفاقم من تحديات الأمن الغذائي ويزيد من اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.

تدهور بيئي متسارع

وتشير البيانات البيئية إلى ارتفاع معدلات التصحر وإزالة الغطاء النباتي خلال السنوات الأخيرة بصورة مقلقة، حيث ارتفعت نسبة المناطق المتأثرة بالتصحر وإزالة الغابات بشكل كبير منذ اندلاع الحرب، فيما أدى شح الوقود إلى قطع ملايين الأشجار واستخدامها كمصدر بديل للطاقة.

ويحذر خبراء البيئة من أن استمرار هذا التدهور سيؤدي إلى تسارع فقدان التنوع الحيوي وزيادة مخاطر الجفاف والعواصف الترابية مستقبلاً.

عدن في مواجهة البحر

أما المناطق الساحلية، فتواجه تحديات لا تقل خطورة. فمدينة عدن تُصنف ضمن المدن الأكثر تعرضاً لمخاطر الفيضانات الساحلية وارتفاع مستوى سطح البحر.

وتشير التقديرات المناخية إلى احتمال ارتفاع مستوى البحر بما يتراوح بين 30 و54 سنتيمتراً بحلول نهاية القرن الحالي، ما قد يهدد البنية التحتية الساحلية ومصادر المياه العذبة والمناطق السكنية القريبة من الشواطئ.

خسائر اقتصادية متوقعة

ولا تقتصر التداعيات على الجوانب البيئية والإنسانية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني. فالتقارير الدولية تتوقع أن يؤدي التغير المناخي إلى تراجع النمو الاقتصادي في اليمن وخفض الناتج المحلي الإجمالي خلال العقود المقبلة نتيجة تضرر الزراعة والموارد المائية والبنية التحتية.

ومع استمرار النزاع والأزمات الاقتصادية، تبدو قدرة البلاد على التكيف مع هذه التحديات محدودة للغاية، ما يجعل الحاجة إلى الدعم الدولي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لماذا يرى مراقبون أن اليمن صوّت ضد مصلحته؟

يرى خبراء ومتابعون أن القرار الأممي كان يمكن أن يمنح اليمن فرصة مهمة لتعزيز موقفها القانوني والسياسي كدولة متضررة من التغير المناخي، بما يفتح المجال أمام المطالبة بتمويلات أكبر للتكيف المناخي والطاقة المتجددة وإدارة الموارد المائية.

كما أن دعم القرار كان سيعزز من قدرة اليمن مستقبلاً على الاستفادة من أي آليات دولية للتعويض عن الأضرار المناخية التي تتعرض لها الدول الهشة والفقيرة.

في المقابل، قد يُفهم التصويت الرافض باعتباره موقفاً لا ينسجم مع المصالح الاستراتيجية لليمن، ويضعها ضمن معسكر الدول المعارضة لتوسيع نطاق المساءلة المناخية، رغم أنها من أبرز ضحايا الأزمة المناخية عالمياً.

اليمن.. الضحية التي تقف في الجانب الخطأ

المفارقة الأبرز أن اليمن تدفع بالفعل ثمن أزمة لم تكن سبباً فيها. فهي من أقل الدول إسهاماً في الانبعاثات الكربونية، لكنها من أكثر الدول عرضة لنتائجها الكارثية على المياه والزراعة والغذاء والاستقرار الاقتصادي.

ولهذا يرى كثير من المراقبين أن تصويت اليمن ضد القرار الأممي بدا وكأنه تصويت ضد مصالحها الوطنية المباشرة، وضد فرصها المستقبلية في الحصول على الدعم والتعويضات والتمويلات المرتبطة بمواجهة التغير المناخي.

وفي ظل التحديات الوجودية التي تواجه البلاد، لم يعد ملف المناخ قضية بيئية هامشية، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بالأمن المائي والغذائي والاقتصادي، وبقدرة اليمنيين على الصمود والبقاء في العقود المقبلة.

وبينما تتجه دول العالم إلى تعزيز حقوق المتضررين من التغير المناخي، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا اختارت اليمن الوقوف في الجهة المقابلة لمصالحها، وهي الدولة التي تُعد من أبرز ضحايا الأزمة المناخية في العالم؟

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish