مقالات الرأي

بعد هرمز.. هل دخل الخليج عصر ما بعد الحارس الواحد؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

في 13 مارس 2026 كتبت مقالاً بعنوان: “انتهت الحرب… فهل يبدأ الخليج إعادة حساباته؟” وتحدثت فيه عن أن الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عادية، بل لحظة كشفت اهتزاز الفكرة التي قامت عليها منظومة الأمن الخليجي لعقود، وهي الاعتماد على الحماية الخارجية بوصفها ضمانة دائمة للاستقرار. وأشرت حينها إلى أن أخطر ما خلفته الحرب لم يكن حجم الدمار أو عدد الصواريخ، بل بداية تغير عميق في العقل السياسي الخليجي، وانتقال المنطقة تدريجياً من مرحلة “اليقين الأمني” إلى مرحلة القلق وإعادة الحسابات.

اليوم، وبعد أسابيع من ذلك المقال، تبدو التطورات المتسارعة في هرمز والبحر الأحمر وكأنها تؤكد أن ما كان مجرد تساؤل سياسي بدأ يتحول إلى واقع يفرض نفسه على المنطقة بأكملها. فتعطل الملاحة، وارتفاع تكاليف التأمين، والتوترات البحرية المتكررة، والحديث عن إعادة تموضع القطع العسكرية الأمريكية خارج الخليج، كلها أحداث دفعت سؤالاً حساساً إلى واجهة المشهد الخليجي: هل ما زالت الولايات المتحدة تنظر إلى أمن الخليج بالمنطق نفسه الذي حكم سياستها طوال العقود الماضية؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن الخليج يتجه إلى القطيعة مع واشنطن، فالعلاقات بين الطرفين أعمق وأعقد من أن تنتهي بسبب أزمة أو حتى حرب إقليمية كبيرة، لكن المؤكد أن شيئاً مهماً بدأ يتغير في نظرة الخليج إلى طبيعة هذه العلاقة. فالدول التي اعتادت النظر إلى الوجود الأمريكي بوصفه “مظلة حماية ثابتة” بدأت تدرك أن العالم نفسه يتغير، وأن القوى الكبرى لم تعد تدير تحالفاتها بالعقلية القديمة نفسها، بل بمنطق الكلفة والمصلحة وإعادة توزيع الأولويات.

لقد عاش الخليج لعقود طويلة على معادلة واضحة: النفط مقابل الحماية. غير أن السنوات الأخيرة، من استهداف المنشآت النفطية إلى التوترات في الممرات البحرية، كشفت أن القواعد العسكرية الأجنبية لا تعني بالضرورة حصانة كاملة، وأن الحليف البعيد جغرافياً قد يعيد حساباته في أي لحظة وفقاً لمصالحه الكبرى لا وفقاً لمخاوف حلفائه فقط.

وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها تحاول استثمار هذا التحول بأقصى قدر ممكن، ليس فقط عبر أدوات القوة العسكرية أو النفوذ الإقليمي، بل أيضاً عبر ترسيخ فكرة سياسية ونفسية شديدة الأهمية، وهي أن أمن الخليج لا يمكن أن يُدار من الخارج إلى الأبد، وأن أي نظام إقليمي جديد في المنطقة لن يكون قابلاً للاستقرار دون تفاهمات مباشرة بين دول المنطقة نفسها.

لكن المفارقة الأكثر تعقيداً أن الخليج اليوم لا يبدو خائفاً من إيران وحدها، بل من احتمالين متناقضين في الوقت نفسه: استمرار التوتر مع إيران من جهة، وتراجع الحضور الأمريكي أو تغير أولوياته من جهة أخرى. وهنا تظهر الأزمة الحقيقية؛ فالمنطقة لم تصل بعد إلى مرحلة بناء نظام أمني إقليمي مستقل، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تملك اليقين القديم نفسه تجاه النظام الأمني التقليدي.

ولهذا يمكن فهم حالة التوازن الحذر التي بدأت تظهر في السياسات الخليجية خلال الفترة الأخيرة؛ فمن جهة لا تزال الشراكات العسكرية مع واشنطن قائمة، ومن جهة أخرى هناك انفتاح متزايد على الصين، ومحاولات تهدئة مع إيران، وتوسيع للعلاقات مع قوى إقليمية ودولية متعددة. وكأن الخليج يحاول بهدوء بناء شبكة أمان متعددة الاتجاهات استعداداً لعالم لم تعد فيه التحالفات القديمة كافية وحدها لضمان الاستقرار.

وفي قلب كل هذه التحولات يعود اليمن مرة أخرى بوصفه العقدة الجغرافية الأكثر حساسية في المنطقة. فكل اضطراب في باب المندب، وكل تهديد للملاحة، يعيد التذكير بأن أمن الخليج لا ينفصل عن استقرار اليمن، وأن ترك اليمن ساحة مفتوحة للصراعات والفوضى قد يتحول في النهاية إلى تهديد مباشر للجميع.

التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً بسقوط العواصم أو بانتصارات عسكرية حاسمة، بل تبدأ أحياناً عندما تهتز الأفكار التي حكمت السياسات لعقود طويلة. وربما يكون أخطر ما يحدث اليوم في الخليج ليس تغير موازين القوة العسكرية وحدها، بل تغير القناعة النفسية والسياسية التي قامت عليها معادلة الأمن الإقليمي منذ نهاية الحرب الباردة.
فالمنطقة ربما لم تدخل بعد عصر “ما بعد أمريكا”، لكنها بالتأكيد دخلت عصر “ما بعد اليقين الأمريكي”، وهذه وحدها كفيلة بإعادة تشكيل الشرق الأوسط كله خلال السنوات القادمة.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish