مقالات الرأي

شرعية بلا مشروع: من عجز عن استعادة صنعاء إلى فشل بناء عدن

بقلم: ا.د أحمد الشاعر باسردة* 

لم تعد الأزمة التي تعيشها ما تُسمّى بالشرعية مجرد تعثر سياسي عابر أو إخفاق مرحلي يمكن تجاوزه بإصلاحات سطحية أو تغيير في الوجوه، بل تحولت إلى حالة مزمنة من العجز البنيوي الذي أفقدها القدرة على أداء أبسط وظائف الدولة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بعدم القدرة على استعادة العاصمة، بل أصبحت أعمق من ذلك بكثير، حيث غابت الرؤية، وانعدم المشروع، وتآكلت الإرادة حتى باتت هذه الشرعية كياناً معلقاً خارج الزمن، يعيش على هامش الواقع دون تأثير حقيقي فيه.

ففي العاصمة صنعاء، التي تمثل رمز السيادة ومركز القرار، أخفقت هذه الشرعية في تحقيق هدفها الأبرز المعلن، وهو استعادتها وإعادة مؤسسات الدولة إليها. سنوات من الشعارات والوعود دون نتيجة تُذكر، ما جعل هذا الهدف يتحول من مشروع واقعي إلى مجرد خطاب سياسي يُستهلك في المناسبات. هذا العجز لم يكن فقط عسكرياً، بل كشف عن خلل عميق في التخطيط، وفي القدرة على توحيد القوى، وفي إدارة معركة يفترض أنها معركة وجود.

وفي المقابل، تقف العاصمة المؤقتة عدن كشاهد حي على نوع آخر من الفشل، ربما أكثر قسوة ووضوحاً. فعدن، التي كانت تمثل فرصة حقيقية لبناء نموذج دولة في المناطق الخارجة عن سيطرة الخصوم، تحولت إلى مساحة للفوضى والاضطراب، حيث لم تنجح الشرعية في ترسيخ مؤسسات فاعلة، ولا في تقديم خدمات تليق بمدينة تحمل رمزية العاصمة. كان يمكن لعدن أن تكون نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة، لكنها تحولت إلى دليل إضافي على غياب المشروع والعجز عن الإدارة.

إن أي سلطة سياسية تُقاس بقدرتها على تحقيق ثلاثة أمور أساسية: فرض الأمن، تقديم الخدمات، وبناء مؤسسات تحظى بثقة الناس. وفي حالة هذه الشرعية، نجد أنها أخفقت في كل هذه المسارات. فلا هي استطاعت تحرير صنعاء، ولا نجحت في تحويل عدن إلى نموذج يُحتذى به في الحكم الرشيد، بل على العكس، أصبحت المناطق التي تقع تحت نفوذها تعاني من تراجع الخدمات وتفاقم الأزمات، ما أدى إلى فقدان الثقة الشعبية بشكل متسارع.

الأخطر من ذلك أن هذه الحالة من العجز لم تُقابل بمحاولات جادة للمراجعة أو التصحيح، بل يقابلها نوع من التعايش مع الفشل، وكأن ما يحدث أمر طبيعي لا يستدعي الوقوف أو المحاسبة. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير، لأن الفشل حين يتحول إلى حالة مألوفة، يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما هو طبيعي وما هو شاذ، وتصبح الانحرافات جزءاً من المشهد اليومي.

لقد فقدت هذه الشرعية، مع مرور الوقت، أهم ما يمكن أن تمتلكه أي سلطة، وهو الشرعية المعنوية المستمدة من ثقة الناس. فالشعوب قد تصبر على قسوة الظروف، لكنها لا تصبر على انعدام الأمل. وعندما يشعر المواطن أن من يفترض بهم قيادته لا يمتلكون مشروعاً ولا إرادة ولا حتى إحساساً بمعاناته، فإن الفجوة بين الطرفين تتسع إلى درجة يصعب معها ترميمها.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو المفارقة صارخة؛ سلطة تحمل اسم الشرعية لكنها تفتقر إلى مضمونها، وتتحدث باسم الدولة لكنها عاجزة عن تجسيدها على الأرض. فلا هي قادرة على فرض حضورها السياسي، ولا تملك أدوات الفعل العسكري الحاسم، ولا حتى نجحت في إدارة المناطق التي تُحسب عليها. هذا الفراغ لا يبقى طويلاً دون أن تملأه قوى أخرى، وهو ما يفسر حالة التشظي والتعدد في مراكز النفوذ، حيث تتراجع فكرة الدولة لصالح كيانات متفرقة لكل منها حساباته وأجنداته.

إن استمرار هذه الحالة لا يعني فقط إطالة أمد الأزمة، بل يعمّقها ويجعل كلفتها أكبر على المجتمع والوطن. فالدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً حين تفقد مؤسساتها فاعليتها، وتتحول سلطاتها إلى مجرد واجهات شكلية لا تعكس واقع القوة أو القدرة. وهذا ما نشهده اليوم؛ سلطة بلا قرار، وقيادة بلا مشروع، ومشهد سياسي يفتقر إلى الحد الأدنى من الانسجام أو الهدف.

وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: لماذا فشلت هذه الشرعية في استعادة صنعاء أو في بناء نموذج ناجح في عدن؟ بل أصبح: إلى متى سيظل هذا الفشل قائماً دون مراجعة حقيقية؟ لأن الأوطان لا تُدار بالانتظار، ولا تُبنى بالأمنيات، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك وضوح الرؤية، وصلابة الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار. وما لم تتوفر هذه العناصر، فإن أي حديث عن استعادة الدولة أو إنصاف الناس سيظل مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.

*رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي

South Arabian Federation Gathering

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish