دار إيواء المعنفات بالمكلا.. مشروع يثير عاصفة من الجدل وأسئلة حول أولويات حضرموت التنموية

حضرموت نيوز – خاص
أثار إنشاء مبنى “دار إيواء المعنفات” بمدينة المكلا موجة واسعة من الجدل في الأوساط الاجتماعية والإعلامية بمحافظة حضرموت، وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة الأولويات التي يجري التركيز عليها في المحافظة، في وقت تواجه فيه قطاعات خدمية عديدة تحديات متراكمة واحتياجات ملحة يرى مواطنون أنها تستحق اهتماماً أكبر.
وتداول ناشطون وإعلاميون صوراً للمبنى الجديد الذي تم إنشاؤه بدعم من منظمات دولية، حصل حضرموت نيوز على نسخة منها الأمر الذي فتح باب النقاش حول أهداف المشروع وجدواه الاجتماعية من جهة، وحول ترتيب الأولويات التنموية والخدمية من جهة أخرى.
الكاتب محمد بن ثعلب الكندي، كان من أبرز الأصوات المنتقدة للمشروع، حيث اعتبر أن المجتمع الحضرمي يمتلك منظومة اجتماعية وأسرية متجذرة لمعالجة الخلافات الزوجية، تقوم على تدخل الأهل والحكماء وأصحاب الخبرة والإصلاح بين المتخاصمين، مستشهداً بالموروث الاجتماعي والديني الذي جعل من الأسرة والعائلة خط الدفاع الأول أمام المشكلات الزوجية.
ويرى الكندي أن الخلافات الأسرية كانت تعالج تاريخياً من خلال السعي للإصلاح وتقريب وجهات النظر والحفاظ على كيان الأسرة، متسائلاً عما إذا كانت بعض المشاريع الحديثة المستوردة من خارج البيئة المحلية تنسجم فعلاً مع طبيعة المجتمع الحضرمي وثقافته المحافظة.
كما طرح الكاتب تساؤلات حول اقتصار المشروع على النساء دون الرجال، معتبراً أن النقاش المجتمعي أصبح يركز بصورة شبه كاملة على المرأة باعتبارها الطرف الوحيد المتضرر داخل الأسرة، بينما توجد ــ بحسب رأيه ــ أشكال متعددة من المعاناة والخلافات التي قد تطال الرجل أيضاً داخل الحياة الزوجية، الأمر الذي يجعله يتساءل عن أسباب غياب مؤسسات أو برامج تتناول هذه الجوانب بالمستوى نفسه من الاهتمام.
وانتقد الكندي ما وصفه بتنامي بعض المفاهيم الاجتماعية الحديثة التي تشجع، من وجهة نظره، على اللجوء السريع إلى الحلول الخارجية بدلاً من استنفاد فرص الإصلاح الأسري، معتبراً أن الحفاظ على الأسرة ينبغي أن يبقى الهدف الأساسي في أي معالجة اجتماعية للخلافات الزوجية.
وأضاف أن المجتمعات لا تُبنى بالمشاريع والمباني وحدها، بل تحتاج إلى ترسيخ قيم الصبر والتفاهم والحوار داخل الأسرة، مؤكداً أن تماسك البيوت واستقرارها يمثلان الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع بأكمله.
وانتقل الجدل من البعد الاجتماعي إلى البعد الخدمي والتنموي، حيث ركز الناشط علي الهيج على قضية الأولويات التي تواجهها حضرموت في المرحلة الراهنة، معتبراً أن سرعة إنجاز مشروع دار الإيواء تطرح تساؤلات لدى كثير من المواطنين بشأن مستوى الاهتمام بالمشروعات الخدمية الأخرى التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
وأشار الهيج إلى أن محافظة حضرموت ما تزال تعاني نقصاً في عدد من الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها خدمات الدفاع المدني والإطفاء، لافتاً إلى أن مدينة المكلا تعتمد على إمكانيات محدودة مقارنة بحجمها السكاني واتساعها العمراني، فيما تفتقر بعض المديريات الأخرى إلى خدمات الإطفاء بصورة كافية رغم تكرار الحرائق والحوادث التي تهدد الأرواح والممتلكات.
ويرى الهيج، أن المواطن البسيط يتطلع قبل كل شيء إلى خدمات تحمي حياته وممتلكاته وتوفر له الأمان، متسائلاً عما إذا كانت بعض المشروعات الممولة خارجياً تعكس فعلاً أولويات المجتمع واحتياجاته الأكثر إلحاحاً.
وأضاف: أن النقاش لا يتعلق برفض دعم المرأة أو الاعتراض على توفير الحماية للفئات المحتاجة للرعاية، بقدر ما يتعلق بترتيب الأولويات وتوجيه الموارد والإمكانات نحو الملفات التي تمثل احتياجاً عاجلاً وملموساً للمواطنين في حياتهم اليومية.
ويرى مراقبون؛ أن الجدل الذي أثاره مشروع دار إيواء المعنفات يتجاوز حدود المبنى نفسه، ليعكس نقاشاً أوسع داخل المجتمع الحضرمي حول طبيعة المشروعات التي تحظى بالدعم والتمويل، ومدى توافقها مع الأولويات المحلية، في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجه المحافظة.
وانضم الكاتب أحمد بن حميد إلى الأصوات المنتقدة للمشروع، متسائلاً عن الأسس والإحصائيات التي استندت إليها الجهات المنفذة عند إنشاء دار إيواء للمعنفات في ساحل حضرموت.
ويرى بن حميد أن الإعلان عن مثل هذه المشاريع يفترض أن يسبقه تقديم بيانات رسمية وإحصائيات موثقة توضح حجم الظاهرة ومدى انتشارها داخل المجتمع الحضرمي.
وأشار إلى أن الحديث عن وجود حالات تعنيف تستدعي إنشاء دار إيواء متخصصة يجب أن يكون مدعوماً بأرقام ودراسات واضحة، تكشف عدد الحالات المسجلة وطبيعة المشكلات التي تستدعي هذا النوع من التدخلات، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب الإنشائي أو الطرح العاطفي الذي لا يقدم مؤشرات قابلة للقياس والتقييم.
وأكد بن حميد أن المجتمع الحضرمي يمتلك منظومة من القيم والأعراف والمرجعيات القضائية والاجتماعية التي أسهمت تاريخياً في حماية الأسرة والحفاظ على مكانة المرأة وكرامتها، معتبراً أن أي مشروع اجتماعي جديد ينبغي أن يراعي خصوصية المجتمع المحلي وأن يستند إلى احتياجات فعلية مثبتة بالأدلة والبيانات.
كما حذر من أن استنساخ نماذج جاهزة من مجتمعات أخرى دون دراسة واقع المجتمع الحضرمي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مشدداً على أن النقاش حول مثل هذه المشاريع يجب أن يبنى على الحقائق والأرقام والدراسات الميدانية، لا على الافتراضات أو التصورات العامة.
وختم بن حميد موقفه بالتأكيد على أن المجتمعات الواعية تُدار بالحقائق والبيانات، وأن تقديم الإحصائيات الرسمية للرأي العام هو السبيل الأمثل لحسم الجدل الدائر حول الحاجة الفعلية لمثل هذه المشاريع وأولوياتها داخل حضرموت.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو إنشاء دور الإيواء أن هذه المؤسسات تمثل جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية المعمول بها في العديد من الدول، وتهدف إلى توفير بيئة آمنة للحالات التي تحتاج إلى الرعاية والحماية، مشيرين إلى أن تطوير الخدمات الاجتماعية لا ينبغي أن يكون على حساب المطالبة بتحسين بقية الخدمات الأساسية.
وبين مؤيد يرى في المشروع خطوة اجتماعية ضرورية، ومعارض يعتبره تجسيداً لاختلال الأولويات، يبقى الجدل مفتوحاً في حضرموت حول طبيعة الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، وكيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الحماية الاجتماعية واحتياجات التنمية والخدمات التي ينتظرها المواطنون في مختلف مديريات المحافظة.





