في رثاء هادي: الرئيس الضِّلّيل

بقلم: محمد سالم بن حمدين
منذ ساعات وأنا أتابع بيانات النعي وكلمات التأبين للرئيس الراحل عبدربه منصور هادي! أتأمل في الحدث بِفكر جيل يمني كامل ظنّ ذات يوم أن البلاد تقف فعلًا على أعتاب ولادة دولة حديثة؛ دولة تصون كرامة أبنائها، وتحترم كفاءاتهم، وتفتح أمامهم أفق وطني يتجاوز إرث الصراعات ومراكز النفوذ والولاءات الضيقة. وبالنسبة لي، كأحد أبناء هذا الجيل الشاب الذين عايشوا تفاصيل حكم هادي عن قرب حيث كنت طالباً في الرياض، منذ المبادرة الخليجية، مرورًا بمؤتمر الحوار الوطني، وحتى انفجار الحرب وتفكك مؤسسات الدولة وانهيار التوافق الوطني برمّته، فإن استحضار سيرة هادي اليوم لا يبدو مجرد استدعاء لسيرة رئيس راحل، وإنما هي مراجعة موجعة لمرحلة كاملة انهار فيها الحلم اليمني الحديث تحت ثقل سوء إدارة اللحظة التاريخية.
وفي تشريح إرث الرئيس عبدربه منصور هادي، لا تبدو الإشكالية الحقيقية كامنة في شخص الرجل بقدر ما تتجلى في النموذج السياسي الذي مثّله، وفي الفلسفة الضمنية التي أُعيد عبرها تعريف معنى القيادة والدولة خلال واحدة من أخطر مراحل اليمن المعاصر! فالمفارقة اللافتة أن غالبية المراثي التي كُتبت عنه احتفت بصفات مثل “الطيبة، والتسامح، والصبر، والهدوء” وكأنها بصدد توصيف رجل صالح في محيطه الاجتماعي، لا تقييم رئيس دولة كانت الجمهورية تتآكل في عهده تحت ضغط الانقلاب، والحرب، والانقسام، والانهيار المؤسسي. لا خلاف أن الصفات التي وُصف بها هادي من قبل من عملوا معه تمنحه مكانة أخلاقية رفيعة في العلاقات الإنسانية، لكنها في فلسفة الحكم لا تكفي لقيادة دولة ولا لحماية مجتمع يواجه أخطار التفكك. ولهذا تبدو محاولة تحويل الطيبة السياسية إلى نظرية حكم، واحدة من أكثر الأفكار كارثية التي جرى تسويقها في اليمن منذ الاستقلال وحتى اليوم.
لقد أثبتت التجربة اليمنية، بقدر كبير من القسوة، أن التردد حين يتموضع في قمة السلطة لا يُنتج استقرار، بل يفتح المجال لانهيار هيبة الدولة وتوحش الفاعلين ما دون الوطنيين؛ فحين تنسحب الدولة من ممارسة قوتها المشروعة، لا يملأ الفراغ خطاب التسامح، بل تملؤه المليشيات، وشبكات النفوذ، والمشاريع العابرة لفكرة الجمهورية. وهذه واحدة من أكثر الحقائق رسوخاً في علم السياسة؛ إذ لم تنجُ دولة واجهت تهديد وجودي عبر قيادة مرتبكة أو سلطة تُدار بعقلية الموظف المنتظر لإشارات الخارج. ولعل المفارقة الأكثر قسوة في تجربة هادي، أن الرجل الذي انتقلت إليه السلطة باسم “إنقاذ الجمهورية” انتهى به الأمر إلى خسارة الدولة نفسها دون أن يتمكن، طوال أكثر من عشر سنوات من الحكم والسلطة والشرعية والدعم الإقليمي والدولي من استعادة العاصمة أو إعادة بناء مركز وطني قادر على فرض السيادة! وهي حقيقة ثقيلة في ميزان التاريخ السياسي؛ لأن شرعية أي سلطة لا تُقاس فقط بحجم الاعتراف الدولي بها، بل بقدرتها الفعلية على حماية الدولة واستعادة مؤسساتها وفرض إرادتها داخل الجغرافيا الوطنية. ومن هنا تبدو استعارة “الرئيس الضِّلّيل” أقرب إلى توصيف سياسي لمرحلة كاملة؛ رئيس وجد نفسه على رأس جمهورية تتآكل بشكل تدريجي بينما ظل مشروع استعادة الدولة مؤجل ومعلّق بين الحسابات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، والتردد المزمن في إدارة معركة الوجود الوطني.
وحين ننظر إلى تجارب الدول التي واجهت لحظات الانهيار، نجد أن ما أنقذها كان وجود قيادة امتلكت الجرأة على إعادة فرض الدولة. ففي المشهد العربي الحديث، يبرز التحول الذي شهدته سوريا عقب سقوط نظام الأسد بوصفه مثال معاصر على طبيعة القيادة في لحظات الانهيار التاريخي للدول. فقد وجدت السلطة الجديدة نفسها أمام بلد مثقل بالدمار المؤسسي، والتشظي المجتمعي، والتدخلات الدولية والإقليمية المتشابكة! سلطة كانت قابلة للانفجار الكامل في أي لحظة. ومع ذلك، أدارت المرحلة الانتقالية عبر مزيج معقد من البراغماتية السياسية، والحسم الأمني، وإعادة هندسة موازين القوة داخليًا وخارجيًا؛ لا بخطاب عاطفي أو بمنطق حسن النوايا. رواندا هي الأخرى لم تنهض من رماد الإبادة الجماعية عبر خطاب عاطفي، بل عبر مشروع سلطوي صارم أعاد بناء المؤسسات واحتكار العنف المشروع. وسنغافورة لم تتحول من جزيرة فقيرة مطرودة من محيطها إلى مركز اقتصادي عالمي عبر المجاملات الدبلوماسية، بل بعقل دولة شديد الانضباط والبراغماتية. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حين واجهت خطر التفكك في الحرب الأهلية، لم تحافظ على الاتحاد عبر خطابات التهدئة، بل استخدم الرئيس أبراهام لينكولن كامل أدوات القوة لحماية الدولة ومنع الانقسام. أما في اليمن، فقد جرى إعادة تعريف الضعف بوصفه حكمة، والتردد باعتباره تعقلاً، والعجز باعتباره تسامحًا، حتى تحولت الدولة بشكل تدريجي من مركز لإدارة القوة والسيادة إلى مساحة رخوة لتقاطع المشاريع الإقليمية والمحلية. ومع الوقت، لم يعد الانهيار مجرد نتيجة للحرب، بل نتيجة مباشرة لأزمة عميقة في مفهوم القيادة ذاته، وفي المعايير التي جرى عبرها إنتاج السلطة وتبرير الفشل السياسي.
إن أخطر ما قد تفعله المجتمعات الخارجة من الكوارث والانهيارات، هو أن تمنح الفشل حصانة عاطفية تحت غطاء الرثاء. الأمم لا تُبنى بالشفقة السياسية، ولا تُدار بمنطق تعداد المحاسن الشخصية عند لحظات الرحيل! ذلك أن احترام الموت لا يعني تعطيل النقد، وتبييض الفشل الوطني أو تجميد المراجعة التاريخية. فالدول التي تتسامح مع أخطاء قياداتها دون مساءلة، تُمهّد بشكل عملي لإعادة إنتاج ذات الأزمات تحت أسماء مختلفة. أما الأمم الحية، فهي تلك التي تمتلك الشجاعة الأخلاقية والسياسية للفصل بين التعاطف الإنساني مع الأفراد، والتقييم الصارم لأداء السلطة حين يتعلق الأمر بمصير الأوطان ومستقبل الشعوب. ولهذا، فإن الجيل اليمني الجديد يحتاج اليوم إلى مراجعة فكرية وسياسية جذرية لمفهوم القيادة والدولة ومعايير الشرعية والكفاءة. فالأوطان -في نهاية المطاف- يحميها رجال دولة يدركون أن السياسة ليست نقاء السريرة وحدها وإنما مسؤولية تاريخية ثقيلة تتعلق ببقاء المجتمع والدولة معًا.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وألهم اليمنيين القدرة على التعلم من تجاربهم السياسية القاسية لبناء دولة أكثر كفاءة ومحاسبة وازدهار.
المقال من صفحة الكاتب في الفيسبوك:
https://www.facebook.com/share/p/1HZ9X9KYPq/




