تحرير الدولار الجمركي.. جباية جديدة لتمويل كشوفات الإعاشة الدولارية من جيوب الجياع
بقلم: د. احمد بن إسحاق
حين تفشل الحكومات في تشغيل الاقتصاد، تتجه مباشرة إلى جيب المواطن.
بعد سنوات من تعطيل الموانئ، وتوقف الصادرات النفطية، والانهيار المستمر للعملة، والعجز عن بناء أي موارد حقيقية للدولة، لم تجد السلطة أسهل من فرض جبايات جديدة على شعب مسحوق أصلاً تحت وطأة الجوع والانهيار.
قرار تحرير الدولار الجمركي ليس “إصلاحاً اقتصادياً” كما تحاول مصلحة الجمارك تصويره، بل اعتراف صريح بفشل إدارة الدولة والاقتصاد.
فالدول التي تملك اقتصاداً حقيقياً تعتمد على الإنتاج والاستثمار والتصدير، أما حين تصبح الجمارك والضرائب المورد الأسهل، فهذا يعني أن الدولة تحولت من راعية للمجتمع إلى جابي أموال من شعب منهك.
كيف يمكن لسلطة فشلت في حماية الموانئ والصادرات والعملة أن تطلب من المواطن دفع فاتورة هذا الفشل؟
وأي منطق يجعل المعلم والجندي والموظف البسيط يدفع ثمن العجز والفساد بينما تستمر كشوفات الإعاشة الدولارية والامتيازات والسفريات والوفود والسيارات الفارهة بلا توقف؟
الحقيقة التي يحاول بيان الجمارك إخفاءها أن أي رفع للدولار الجمركي يعني ارتفاعاً مباشراً في أسعار كل شي، لأن اليمن بلد يعتمد على الاستيراد في معظم احتياجاته وينعكس رفع سعر أي سلعة في أسعار السلع الأخرى، أي أن القرار ليس رقماً فنياً على الورق، بل ناراً ستشتعل في الأسواق والبيوت الفقيرة.
ثم يأتي هذا القرار قبل العيد، في لحظة أصبح فيها ثمن الأضحية يعادل رواتب خمسة معلمين، وكأن المطلوب من المواطن اليمني ألا يفرح، وألا يعيش، وألا يعترض.
المشكلة لم تعد في الحرب وحدها، بل في سلطة فشلت في بناء اقتصاد، وفشلت في إيقاف الفساد، وفشلت في تخفيف معاناة الناس، ثم قررت أخيراً أن تجعل المواطن نفسه هو المورد البديل للدولة.
الدولة التي تعجز عن تحريك الاقتصاد ثم تعيش على الجبايات ليست دولة تبني وطناً… بل سلطة تستهلك ما تبقى من أعصاب الناس وأرواحهم.




