مقالات الرأي

التنسيقي وسياسة الاحتواء الناعم

بقلم: د. خالد بلخشر

تتخفى هندسة “المجلس التنسيقي” في حضرموت وراء لغة إدارية ناعمة وشعارات تنظيمية براغماتية، لكنها في جوهرها تسعى لبسط هيمنة مطلقة تبتلع الجميع وتحول المحافظة إلى جغرافية منزوعة السياسة.

إن اختزال القضية الحضرمية في مجرد أدوات للتنسيق الإداري والأمني والخدمي يمثل آلية احتواء ذكية؛ تُفرغ الصوت المحلي من مضمونه الحقوقي والسياسي، وتحيل حضرموت من رقم سياسي صعب إلى شريط حدودي يُدار بمنطق “الضبط الوقائي” والمصالح الأمنية العابرة.

​غير أن التمدد الناعم لهذه الهياكل التنسيقية لا ينبع من عبقريتها التخطيطية بقدر ما يتغذى على الإفلاس البنيوي والعجز الهيكلي للمكونات المحلية ذاتها. لقد تبددت الرهانات التاريخية على “مؤتمر حضرموت الجامع” و”حلف قبائل حضرموت”، وسقطت هذه الكيانات في أتون الانقسامات الفردية والصراعات المصلحية الضيقة.

لم تفشل هذه القوى القبلية والمدنية في تقديم مشروع سياسي متكامل فحسب، بل تحولت إلى ظواهر صوتية تقتات على البيانيات الفاقعة والشرعيات التاريخية المتهالكة، مما أفقدها القدرة على تمثيل الشارع أو حماية قرار المحافظة المستقل. لقد تورطت قياداتها في التكسب السياسي والارتهان للاستقطابات، ليتحول “الحلف” و”الجامع” من روافع حقوقية مفترضة إلى عبء سياسي مكشوف أتاح إختراق النسيج الحضرمي بسهولة.

​هذا الفراغ القيادي القاتل والهشاشة الذاتية في صفوف البيت الحضرمي هما ما مهّد الطريق لسلطة “التنسيقية” كي تفرض سقفها الوصائي النافذ على الجميع. فحين غابت الرؤية الوطنية الجامعة لدى القوى المحلية، وحين فشلت نخبها في تحويل الثقل الجغرافي والاجتماعي إلى مشروع مؤسسي صلب، وجد الراعي الإقليمي الساحة خالية تماماً لإعادة صياغة المشهد بآليات احتواء محكمة.

أصبحت التنسيقية هي المايسترو الوحيد الذي يملك مفاتيح القرار، مستغلة تفكك المكونات الأهلية وتناحرها، لتصوغ واقعاً جديداً تُسلب فيه الإرادة السياسية الحضرمية تحت لافتة “التنسيق والتنظيم”.

​إن حضرموت اليوم لا تواجه فقط خطراً إقليمياً يتمثل في “الهيمنة التنسيقية” التي تفرغ المحافظة من دورها الريادي، بل تعاني بالقدر ذاته من عقم البدائل المحلية التي أثبتت عجزها التاريخي عن حماية الذات.

وبين هيمنة إقليمية تُدار بالوكالة، وفشل ذريع للمكونات التليدة في إثبات فاعليتها، تظل حضرموت مرتهنة لآليات ضبط خارجي تؤجل استحقاقاتها السياسية، وتنتهي بابتلاع الجميع في مظلة تنسيقية واحدة لا صوت يعلو فيها فوق صوت التنسيق الحدودي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic