مقالات الرأي

‏عدن … سيادة لا تقبل التجزئة

بقلم: ‏أ.د أحمد الشاعر باسردة

‏في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، تبدو معادلات التحالفات الدفاعية خياراً سيادياً مشروعاً لكل دولة تسعى إلى تأمين مصالحها وحماية حدودها وتعزيز مكانتها في بيئة مضطربة. من هذا المنطلق، فإن توجه دول مثل السعودية وباكستان وتركيا نحو صيغ من التعاون العسكري أو الدفاع المشترك هو حق أصيل لا يمكن الطعن فيه، لأنه ينبع من منطق الدولة الوطنية التي تمتلك قرارها وتتحرك وفق أولوياتها الاستراتيجية. غير أن الإشكالية لا تكمن في هذه التحالفات بحد ذاتها، بل في انعكاساتها غير المباشرة على قضايا لم تُحسم بعد، وفي مقدمتها قضية الجنوب العربي، التي ما تزال تبحث عن إطارها السيادي المستقل.

‏رؤية عدن لهذه المعادلات تنطلق من مبدأ بسيط لكنه عميق الدلالة: ما هو حق لغيرنا يجب أن يكون حقاً لنا. فإذا كانت الدول تبني شراكاتها وتحالفاتها انطلاقاً من سيادتها، فإن شعب الجنوب يطالب أولاً بالأساس الذي تُبنى عليه هذه السيادة، وهو حق تقرير المصير واستعادة الدولة. هنا يتجلى التناقض في المشهد، حيث يُطلب من الجنوب أن يتفهم ويستوعب تحالفات الآخرين، بينما لا يُمنح المساحة الكافية لتقرير مستقبله بنفسه دون وصاية أو تدخل.

‏عدن، بوصفها مركز الثقل السياسي والتاريخي للجنوب، لا تنظر إلى معادلات الدفاع المشترك من زاوية الرفض أو القلق، بل من زاوية إعادة التوازن. فالمشكلة ليست في وجود هذه التحالفات، بل في كيفية تعاملها مع واقع الجنوب، وهل ستتعامل معه كقضية عادلة لشعب يسعى لاستعادة دولته، أم كملف تابع يُدار ضمن حسابات إقليمية أوسع. هذه النقطة تحديداً هي ما يحدد شكل العلاقة المستقبلية بين الجنوب وهذه القوى.

‏الخطاب الجنوبي، كما يتشكل اليوم، يحرص على إرسال رسائل واضحة وغير تصادمية. فهو يؤكد أنه لا يحمل مشروع توسع، ولا يطمح في أرض غيره، ولا يسعى إلى التدخل في شؤون الآخرين. هذه المحددات ليست مجرد شعارات، بل هي جزء من تصور استراتيجي لدولة قادمة تبحث عن الاستقرار لا عن الصراع، وعن الشراكة لا عن الهيمنة. وفي هذا السياق، فإن الجنوب لا يرى في السعودية خصماً، ولا يعتبر صنعاء عدواً بالضرورة، بل يربط شكل العلاقة مع الجميع بمدى احترامهم لحقه في السيادة.

‏من زاوية أعمق، يمكن قراءة الموقف الجنوبي كجزء من تحولات أوسع في مفهوم الدولة بالمنطقة. فالتجارب السابقة أظهرت أن فرض الصيغ السياسية بالقوة أو تجاهل الهويات الوطنية يؤدي في النهاية إلى تفكك طويل الأمد وصراعات مفتوحة. الجنوب، الذي خاض تجربة الوحدة وما تلاها من أزمات، بات أكثر ميلاً إلى بناء مشروعه على أساس التدرج والصبر وتراكم الإنجازات السياسية، بدلاً من القفز إلى مواجهات مفتوحة لا تخدم هدف الاستقرار.

‏وفي هذا الإطار، يصبح الصبر الذي يتحدث عنه الخطاب الجنوبي ليس حالة سلبية، بل أداة سياسية واعية. فالتاريخ، كما تشير التجارب، يمنح الفرص للشعوب التي تتمسك بحقوقها دون أن تنجر إلى صراعات تستنزف طاقاتها. الجنوب يراهن على هذه المعادلة، مع إدراكه أن البيئة الإقليمية قد تعيد تشكيل نفسها بشكل يفتح نافذة حقيقية لتحقيق تطلعاته.

‏أما فيما يتعلق بمعادلة الدفاع المشترك، فإن عدن ترى أن أي ترتيبات أمنية في المنطقة لن تكون مستقرة ما لم تأخذ في الاعتبار حقيقة الجنوب ككيان سياسي قيد التشكل، وليس مجرد مساحة جغرافية ضمن صراع أوسع. تجاهل هذه الحقيقة قد يخلق اختلالات مستقبلية، بينما الاعتراف بها والتعامل معها بواقعية قد يحول الجنوب إلى عنصر استقرار وشريك فاعل في منظومة الأمن الإقليمي.

‏في النهاية، لا يطرح الجنوب نفسه كطرف صدامي، بل كقضية تبحث عن حل عادل. وهو يضع معادلة واضحة: كما أن للدول حق عقد تحالفاتها، فللشعوب حق بناء دولها. وبين هذين الحقين يمكن إيجاد مساحة مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المتوازنة. الجنوب لا يريد حرباً، ولا يسعى إلى عداوات، بل يطمح إلى دولة اتحادية تمتد من المهرة إلى باب المندب، تعيش بسلام مع جوارها وتكون جزءاً من استقرار المنطقة، لا عبئاً عليها. هذه الرؤية، إذا ما أُخذت بجدية، قد تشكل مدخلاً لحل أكثر استدامة من أي معادلات عسكرية لا تراعي جذور القضايا .. عدن لن تسقط والتاريخ بيننا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic