من سيعلّم أبناء حضرموت بعد أربع سنوات؟
بقلم: د. احمد ين إسحاق
بينما كانت جامعة حضرموت تدعو المجتمع إلى “تحري الدقة” وعدم الإضرار بسمعة الجامعة، عبر تقرير نشرته صحيفة عدن الغد بعنوان “جامعة حضرموت: من التحديات المحلية إلى الريادة العالمية”، كانت الصحيفة نفسها تنشر قبل أيام تقريرا بعنوان “حين تصمت قاعات كليات التربية… من سيُعلِّم أبناءنا غدا؟”، وقبله تقريرا آخر بعنوان “خبر صادم من كلية التربية بعدن”. وبين هذه العناوين لا يكمن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تتجسد واحدة من أخطر أزمات التعليم الجامعي في اليمن؛ أزمة تتسع فيها المسافة بين لغة الإنجازات ولغة الأرقام.
فإذا كانت كلية التربية بجامعة عدن، التابعة للجامعة التي جاءت في المرتبة الثانية في التصنيف المحلي لوزارة التعليم العالي، تعيش هذا الانهيار الذي وثقته تقارير إعلامية بالأرقام، فكيف هو واقع الجامعات التي جاءت في مراتب متأخرة، أو استُبعدت من التصنيف أصلا؟
ولسنا هنا بصدد نفي ما ورد في تقرير جامعة حضرموت من إنجازات في التصنيفات الدولية أو الشراكات الأكاديمية، فكل إنجاز علمي يستحق التقدير، لكن أي تقرير يتناول مسيرة جامعة خلال أحد عشر عاما من الحرب لا يكتمل دون أن يجيب عن الأسئلة التي يطرحها الواقع: كم قسما أكاديميا افتُتح؟ وكم قسما أُغلق؟ كم كان عدد الطلاب الدوليين قبل الحرب وكم أصبح اليوم؟ وما أثر الزيارات والشراكات الخارجية على تطوير البرامج الأكاديمية والبنية التحتية والبحث العلمي؟ وماذا قدمت الجامعة لأعضاء هيئة التدريس في مواجهة الانهيار الحاد في قيمة رواتبهم؟ وما حجم اعتمادها اليوم على أعضاء هيئة تدريس متعاقدين في ظل غياب الخانات الوظيفية؟
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الحديث عن نجاح خطط إعداد الكوادر، بينما الكلية الرئيسة المسؤولة عن إعداد معلمي حضرموت، وهي كلية التربية بالمكلا، لم يبقى بجميع مستويات أقسامها المتبقية سوى 59 طالبا معلما فقط؟
في التوصيف الشعبي الساخر، تختزل عبارة “مت يا أكاديمي حتى يأتيك الربيع” جانبا من واقع الأستاذ الجامعي اليمني خلال سنوات الحرب، وكأن الرسالة الموجهة إليه هي: اصبر على الفاقة، وانتظر مستقبلا قد لا يأتي. ففي الوقت الذي تُدار فيه الملفات السياسية والعسكرية باعتبارها أولوية مطلقة، تراجع التعليم العالي إلى هامش الاهتمام، وأصبح الأستاذ الجامعي يدفع ثمن أزمة لم يكن طرفا في صناعتها.
وتكشف آلية توزيع الدعم والحوافز خلال السنوات الماضية عن اختلال واضح في ترتيب الأولويات؛ إذ حظيت قطاعات مرتبطة بإدارة السلطة ومؤسساتها باهتمام مالي مباشر، بينما تُركت الجامعات الحكومية تواجه الانهيار بإمكاناتها المحدودة، وتُرك الأكاديميون يواجهون تدهورا غير مسبوق في قيمة رواتبهم، حتى باتت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة. ولم تعد القضية مجرد معاناة معيشية لأستاذ الجامعة، بل تحولت إلى أزمة تمس جودة التعليم العالي ومستقبل التنمية في اليمن.
وتزداد المفارقة إيلاما حين تُقارن أوضاع الأستاذ الجامعي بما يُتداول في تقارير مختلفة عن مخصصات الإعاشة الدولارية لآلاف المشمولين في بعض الكشوفات، والتي تصل في بعض الحالات إلى ما بين 3000 و4000 دولار شهريا، بمن فيهم أشخاص لا يحمل بعضهم مؤهلات علمية أو لا يمارسون دورا مؤثرا على أرض الواقع. وفي المقابل، تراجع الدخل الحقيقي للأستاذ الجامعي، الذي يحمل أعلى المؤهلات الأكاديمية ويضطلع بمهمة إعداد الكوادر الوطنية، إلى أقل من 200 دولار شهريا، وهو مبلغ لا يكاد يغطي إيجار مسكن أو تكاليف انتقاله إلى مقر عمله. وهذه المفارقة لا تعكس مجرد تفاوت في الدخل، بل تكشف عن خلل عميق في ترتيب الأولويات وقيمة الإنسان داخل منظومة الإنفاق العام. فالأمم لا تُقاس بما تنفقه على مراكز النفوذ، بل بما تستثمره في مراكز المعرفة.
وتبرز كلية التربية بالمكلا بوصفها أحد أكثر النماذج دلالة على هذا التراجع. فقد كانت لعقود إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية في اليمن، واستقطبت مئات الطلاب من سلطنة عُمان إلى جانب آلاف الطلاب اليمنيين، وأسهمت في إعداد أجيال من المعلمين الذين حملوا رسالة التعليم داخل اليمن وخارجه. أما اليوم، فقد أُغلقت معظم أقسامها العلمية والأدبية، وتراجع الإقبال عليها بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح إجمالي عدد طلابها لا يتجاوز 59 طالبا معلما في جميع المستويات والأقسام المتبقية، وهو رقم يثير القلق إذا ما قورن باحتياجات حضرموت التعليمية التي تضم اليوم أكثر من 886 مدرسة.
ولم يكن هذا الانهيار نتيجة عزوف الطلاب عن الدراسة الجامعية فحسب، بل جاء نتيجة تراكمات متعددة؛ فقد فقدت مهنة التعليم كثيرا من مكانتها الاجتماعية والاقتصادية، في ظل تدني الأجور وغياب الحوافز، الأمر الذي دفع كثيرا من الشباب إلى العزوف عن الالتحاق بكليات التربية. وفي الوقت نفسه، غابت سياسات التخطيط والتنسيق بين الجهات المسؤولة عن إعداد المعلمين والجهات المسؤولة عن توظيفهم.
وتشير تقارير إلى أن صندوق دعم التعليم تعاقد خلال عام واحد مع نحو 25 ألف معلم، غالبيتهم غير مؤهلين تربويا، برواتب فقدت معظم قيمتها الشرائية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. والمفارقة أن هذه الأعداد تبدو أكبر من الاحتياج الفعلي في كثير من المناطق، خاصة إذا ما قورنت بما كان عليه الوضع قبل الحرب، حين كان متوسط نسبة المعلمين إلى الطلاب يقارب معلما واحدا لكل 19 طالبا. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول كفاءة التخطيط، وآليات التوظيف، ومستوى التنسيق بين مؤسسات إعداد المعلمين والجهات المستفيدة منهم، ويؤكد أن المشكلة لم تعد في عدد المعلمين بقدر ما أصبحت في جودة التأهيل وحسن الإدارة.
ولم يساعد على معالجة هذه الأزمة ضعف العمل النقابي في الجامعات؛ فقد أصبح العمل النقابي في بعض الجامعات مخترقا، وفي جامعات أخرى هامشيا، فلم يعد قادرا على الدفاع عن حقوق الأكاديميين أو تقديم مبادرات مهنية للإصلاح، الأمر الذي ترك الأستاذ الجامعي يواجه أزمته منفردا، بينما استمرت مؤسسات التعليم العالي في فقدان كوادرها وتراجع قدرتها على أداء رسالتها.
إن القضية اليوم ليست الدفاع عن جامعة حضرموت أو جامعة عدن، ولا الانتقاص من أيٍّ منهما، وإنما الدفاع عن مستقبل التعليم في اليمن. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس: ما ترتيب جامعاتنا في التصنيفات؟ بل: من سيُعلِّم أبناءنا بعد أربع سنوات؟
فالنقد الموضوعي لا يضعف الجامعات، بل يصنع جامعاتٍ أقوى. وما أحوج مؤسساتنا الأكاديمية إلى مراجعات علمية جادة لواقع التعليم، ولدرجة الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للعمل الجامعي، باعتبارها طريقا للإصلاح المؤسسي وتعزيز الثقة، لا وسيلة للنيل من سمعة الجامعات أو التقليل من إنجازاتها.




