أخبار حضرموتأهم الاخبار

من الديس إلى المكلا… رحلة في مفارقات الطريق

أنور الحوثري – حضرموت نيوز
في صبيحة يوم جديد، وعلى طريقٍ يقود إلى العاصمة حضرموت، المكلا، اعترضنا مشهدٌ بدا وكأنه لقطة مقتطعة من فيلمٍ درامي. سيارةٌ قديمة مكشوفة، تكاد تتهادى من فرط التعب، تحمل قطيعاً من الأغنام يملأ الطريق ثغاءً وضجيجاً، ويقودها طفلٌ بدوي على سجيته، يبدو أن عهده بقيادة السيارة ما يزال في بداياته. لم يكن في المشهد ما يدعو إلى الغضب بقدر ما كان يدعو إلى التأمل؛ فالطفل يقود بما أوتي من براءة، والسيارة تشق طريقها فوق إسفلتٍ هرِمٍ يحتاج هو الآخر إلى من يقوده نحو الترميم.
داخل باص الفرزة العمومي، ذي التسعة والعشرين راكباً ، كانت الرحلة تمضي بأحاديث لا تقل غرابة عن مشهد الطريق. بعض الركاب ما يزالون يتحسرون على هزيمة منتخب مصر أمام بطلة العالم الأرجنتين، وآخرون يفتشون عن تفسير لكل ما يجري في العالم عبر نظريات الماسونية والمؤامرة الغربية على طموحات العرب والمسلمين. لكل راكب روايته، ولكل حديثٍ نكهته، بينما الطريق وحده يواصل سرد حكايته الصامتة.
أما الطفل البدوي، فلم يكن يفسح الطريق إلا بعد أن يوقظه صوت البوق. ولم يكن ذلك عنادًا أو استهتارًا، بل لأن ارتباكه في القيادة كان أوضح من كل تهمة . كانت براءته أكبر من مهارته، ولذلك كنا نغفر له قبل أن نلومه.
وحين أطلت مدينة الشحر في الأفق، سبقت العين القلب إليها، ورددت دون شعور كلمات شاعرها الكبير: “قابليني يا سعاد… والبسي ثوب السعادة.” لست المحضار، ولا أملك في الشحر بيتًا شخصيًا، رغم سنوات الانتظار والوعود الثقيلة، لكن المدن لا تُحَب بالحجارة وحدها. تُحب بأهلها، وبأزقة الطفولة، وبمقاعد الدراسة، وبوجوه الأصدقاء الذين تركوا في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنين.
تمضي رحلة الفجر الشاقة، فنحاول قتل الملل بأحاديث جانبية، بعدما حرمنا انقطاع شبكة الهاتف من الانشغال بالإنترنت، ولم يكن معنا مودم متنقل ينقذنا من عزلة الطريق. وهكذا يعود الحوار البشري ليؤدي دوره القديم، قبل أن تبتلعه شاشات الهواتف.
وعندما نصل إلى المكلا، نكون قد سبقنا دوام المكاتب الحكومية بساعات. نستقبل الوقت بوجبة إفطار متواضعة في مطعم قريب، ثم نبحث عن دكة في شارع جانبي نستريح عليها حتى تُفتح الأبواب. غير أن المفارقة المؤلمة تبدأ بعد ذلك؛ فكثيراً ما نكتشف أن المسؤول الذي قطعنا من أجله عشرات الكيلومترات لم يحضر إلى مكتبه أصلًا، لأن تخزينة قات الليلة الماضية امتدت حتى ساعات الفجر، فاستغرق بعدها في نومٍ عميق، بينما يظل المواطن هو وحده الذي يدفع ثمن الوقت، وتكاليف السفر، ومشقة الانتظار.
وهكذا تتحول الرحلة من مجرد انتقال بين مدينتين إلى رحلة بين مفارقات وطن؛ طفلٌ يقود سيارةً وسط الطريق، وإسفلتٌ ينتظر الإصلاح، وموظفٌ ينتظر الحضور، ومواطنٌ لا ينتظر سوى أن يجد من يؤدي عمله. وبين كل هذه المشاهد يبقى الأمل، مثل شمس الصباح، يشرق كل يوم رغم أنه يعرف جيدًا حجم التعب الذي ينتظره على الطريق.

انور الحوثري

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic