مقالات الرأي

هل أصبحت عبارة «ابقَ في بيتك» سياسة دولة في زمن مجلس القيادة؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

هناك تصريحات تمر مرور الكرام، وأخرى تتحول إلى وثائق سياسية تختصر حال الدولة.
ومن هذا النوع، تصريح عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الذي قال إن الصحفي محمد عيضة أخبره شخصيا بأنه يتلقى تهديدات، وإنه نصحه بعدم مغادرة منزله حفاظًا على سلامته.
قد يكون المحافظ أراد أن يبين أنه كان حريصًا على سلامة الصحفي، لكن التصريح أثار سؤالًا أكبر من صاحبه، وأكبر من القضية نفسها:
هل أصبحت عبارة “ابقَ في بيتك” هي سياسة الدولة عندما يعجز المسؤولون عن حماية المواطنين؟

ففي الدول التي تحترم مسؤولياتها، عندما يبلغ صحفي أو قاضي أو ناشط أو مواطن مسؤولا رسميا بأنه يتعرض لتهديدات، تتحرك أجهزة الدولة فورا، وتبدأ إجراءات الحماية، ويُفتح تحقيق في مصدر التهديد، وتُتخذ التدابير الوقائية قبل وقوع الكارثة.
أما أن يكون الحل هو مطالبة المواطن بالاختباء داخل منزله، فذلك لا يعكس قوة الدولة، بل يعكس حجم الأزمة التي وصلت إليها مؤسساتها.
إن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن ارتكب جريمة اغتيال محمد عيضة، فهذه مهمة التحقيق والقضاء، وإنما يتعلق بما سبق الجريمة: ماذا فعلت الدولة عندما علمت بوجود تهديدات؟ وهل اتخذت الإجراءات التي تفرضها مسؤوليتها في حماية مواطنيها؟
هذه الأسئلة لا تخص محافظ حضرموت وحده، بل تمتد إلى مجلس القيادة الرئاسي بأكمله، لأنه يمثل رأس السلطة التنفيذية في البلاد، وهو المسؤول سياسيا عن أداء مؤسسات الدولة، وعن قدرتها على حماية المواطنين وصيانة الأمن.
ومنذ تشكيل مجلس القيادة، كان اليمنيون ينتظرون تحولا حقيقيا يعيد للدولة هيبتها، ويوقف التدهور الاقتصادي، ويحسن الخدمات، ويوحد المؤسسات العسكرية والأمنية، ويضع حدا للفوضى التي أنهكت البلاد.
لكن بعد مرور السنوات، يجد المواطن نفسه أمام السؤال ذاته: ماذا تغير؟
هل استقرت العملة؟ هل تحسنت الكهرباء؟ هل توقفت الاغتيالات؟ هل عاد القضاء قويا؟ هل استعادت الدولة قدرتها على فرض القانون؟ أم أن اليمنيين ما زالوا يعيشون في دوامة اللجان والبيانات والوعود المؤجلة؟
لقد أصبح المشهد مألوفًا بصورة مؤلمة؛ تقع الكارثة أولا، ثم تُشكل لجنة، ثم تُصدر بيانات، ثم يختفي الملف مع مرور الوقت، بينما تبقى معاناة الناس كما هي.
والأخطر من ذلك أن المواطن بدأ يشعر بأن مسؤولي الدولة لا يقدمون له حلولا، بل نصائح للنجاة بنفسه.
إذا كنت مهددا… ابقَ في بيتك.
إذا انقطعت الكهرباء… اصبر.
إذا انهارت العملة… تحمّل.
إذا تعطلت الخدمات… انتظر
.وهكذا تتحول مسؤوليات الدولة تدريجيا إلى أعباء يتحملها المواطن وحده.

الدولة لم تُنشأ لتطلب من الناس الاختباء، بل لتمنحهم الأمن. ولم تُقم مؤسساتها ليعيش المواطن أسير الخوف، وإنما ليشعر بأن هناك سلطة قادرة على حمايته، وإنصافه، وملاحقة من يهدده.
إن قضية محمد عيضة يجب ألا تبقى مجرد قضية جنائية تبحث عن الجناة، بل يجب أن تكون مناسبة لمراجعة أداء مؤسسات الدولة كلها، ولمحاسبة أي تقصير -إن ثبت وجوده- في التعامل مع التهديدات السابقة للجريمة، ولإعادة تعريف معنى المسؤولية العامة.
فالهيبة الحقيقية للدولة لا تُقاس بعدد المسؤولين ولا بعدد الاجتماعات، وإنما بقدرتها على أن تجعل المواطن يخرج من منزله مطمئنا، لا أن تنصحه بالبقاء داخله خوفا على حياته.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل يمني اليوم:
هل أصبحت عبارة “ابقَ في بيتك” سياسة دولة في زمن مجلس القيادة، أم أنها مجرد زلة لسان كشفت أزمة أعمق مما نتصور؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic