مأساة المثالية والواقع.. وزج الإنسان الشريف في “زنازين النسيان”

بقلم: أنور الحوثري
في سنوات التكوين الأولى من أعمارنا، بدت لنا أفكار سقراط وأفلاطون وأرسطو، ومعها تعاليم الأديان السماوية، وكأنها خرائط مؤكدة لبلوغ عالم أكثر عدلاً وإنسانية. تعلّمنا أن الفضيلة طريق النجاة، وأن الصدق قيمة لا تُهزم، وأن المجتمعات تُبنى على الإنصاف واحترام حقوق الآخرين، وأن السلطة وجدت لخدمة الناس لا لاستعبادهم. وكانت هذه المبادئ تتناغم مع جوهر الرسالة الإسلامية التي كرّمت الإنسان وجعلت العدل أساس العمران.
غير أن الاصطدام بالواقع كثيراً ما يكون قاسياً. فحين يخرج الإنسان من دفء الكتب إلى صقيع الحياة، يكتشف أن المسافة بين المثال والتطبيق أوسع مما تخيل. يرى الفساد وقد تمدّد في مؤسسات يفترض أنها حارسة للقيم، ويشاهد أصحاب الضمائر وهم يدفعون أثماناً باهظة لمواقفهم، بينما يتقدم المتملّقون وأصحاب المصالح إلى واجهة المشهد. عندها يبدأ السؤال المؤلم في الشكل ( هل كانت تلك المبادئ حقائق قابلة للحياة أم مجرد أحلام جميلة؟)
المشكلة ليست في سقراط ولا في أرسطو، وليست في القيم الدينية ذاتها، بل في الطبيعة البشرية حين تنفلت من الضوابط الأخلاقية، وفي الأنظمة التي تكافئ الانتهازية أكثر مما تكافئ النزاهة. فالفلسفة لم تعد الإنسان بمدينة فاضلة جاهزة، وإنما قدمت له بوصلة أخلاقية. لكن البوصلة وحدها لا تمنع العواصف، ولا تضمن أن السفينة ستصل إلى الميناء.
وهنا تتجلى المأساة الحقيقية: مأساة الإنسان الشريف عندما يجد نفسه بين حدين متناقضين؛ إما أن يحافظ على نقاء ضميره فيدفع ثمن ذلك تهميشاً وفقراً وربما موتاً بطيئاً في ( زنازين النسيان) ، وإما أن يتخلى عن بعض ما يؤمن به لينخرط في منظومة الكذب والتزلف وبيع الذمم كي يؤمّن قوت أسرته واحتياجات أبنائه. إنها ليست معادلة فلسفية مجردة، بل جرح يومي يعيشه كثير من الناس في المجتمعات المأزومة.
ومع ذلك، فإن انهيار الواقع لا يعني سقوط القيم. فالفساد لا يبطل قيمة النزاهة، كما أن انتشار الظلم لا يلغي عدالة الحق. بل لعل قيمة الأخلاق تظهر أكثر حين تصبح مكلفة. فالصدق الذي لا يكلف صاحبه شيئاً فضيلة سهلة، أما الصدق الذي يهدد لقمة العيش فهو الامتحان الحقيقي للضمير.
يبقى الإنسان معلّقاً بين ضرورة البقاء ونداء المبادئ، بين حاجات الجسد وأشواق الروح. وليس أشد قسوة من أن يُجبر المرء على الاختيار بين خبز أبنائه واحترامه لذاته. تلك هي المعضلة التي لم تنجح الفلسفات كلها في حلها حلاً نهائياً، وستظل واحدة من أعقد الأسئلة في الوجود الإنساني: كيف يبقى الإنسان إنساناً في عالم يكافئ أحياناً كل شيء إلا الإنسانية؟
بقلم: أنور الحوثري.



