بين الضمان النقدي والضمان التجاري في المحكمة الجزائية: قراءة مختصرة في واقع مقلق

بقلم: علي الخلاقي
تُعد مسألة الضمان في القضايا الجزائية من أهم الوسائل التي كفلها القانون لضمان حضور المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، مع الحفاظ على أصلٍ جوهري هو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم نهائي. غير أن الواقع العملي في بعض المحاكم والنيابات الجزائية – وخصوصًا المتخصصة – يكشف عن تشدد في اشتراط الضمان النقدي وحده، بمبالغ تتراوح بين 30 مليونًا وتصل إلى 120 مليون ريال يمني، مع رفض الضمان التجاري الملزم بالحضور والدفع.
الأصل في الضمان أنه وسيلة احترازية، لا عقوبة مسبقة. لكن حصر الإفراج بالضمان النقدي يجعل الحرية مرتبطة بالقدرة المالية؛ فالمقتدر يدفع ويخرج، بينما يعجز غيره عن توفير المبلغ، فيبقى موقوفًا رغم أن قضيته ما تزال في طور الاتهام. وهذا يضع الأسر محدودة الدخل أمام خيارات قاسية، كالدخول في ديون، أو بيع ممتلكات، أو اللجوء إلى طلب العون بطرق قد تمس كرامتها.
الضمان التجاري، في جوهره، يحقق الغاية ذاتها؛ إذ يلتزم الضامن بسداد المبلغ عند إخلال المتهم بالحضور، وهو نظام معمول به في أنظمة قانونية متعددة. لذا فإن رفضه بصورة مطلقة يثير تساؤلات حول مدى التناسب بين الإجراء والهدف المرجو منه.
كما أن بقاء المتهم في السجن لفترة طويلة لمجرد اتهام قد يعرّضه للاختلاط بأصحاب السوابق، بما يترك آثارًا سلبية اجتماعية وسلوكية، ويخلق مفارقة مؤلمة: يدخل إنسان السجن متهمًا، وقد يخرج أكثر احتكاكًا بالجريمة مما كان عليه.
إن خصوصية بعض القضايا في النيابة الجزائية المتخصصة قد تبرر التشدد في حالات محددة، كوجود خطر هروب أو تهديد حقيقي للأمن، لكن التعميم في اشتراط الضمان النقدي قد يخلّ بمبدأ التناسب والعدالة.
ومن هنا، فإن الدعوة موجّهة إلى معالي وزير العدل وسعادة النائب العام للنظر في هذه المسألة بروح المراجعة والتطوير، بما يعزز الثقة في مؤسسات العدالة. فالمجتمع لا يستفيد من امتلاء السجون بمتهمين غير مدانين، بل من عدالة متوازنة تحفظ هيبة القانون وتصون كرامة الإنسان وحقه في الحرية حتى تثبت إدانته.


