قراءة في كلمة الزبيدي.. لماذا ربط الاعتراف بدولة الجنوب بأي تفاهم مع السعودية؟

خاص – حضرموت نيوز
أثارت الكلمة التي ألقاها الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تساؤلات وقراءات سياسية متعددة، خصوصاً بعد فترة من الانقطاع عن الظهور، فيما تباينت التفسيرات بشأن رسائلها السياسية ومضامينها، في ظل التطورات التي تشهدها الساحة الجنوبية وعلاقة المجلس الانتقالي بالمملكة العربية السعودية.
وفي قراءة سياسية للكلمة، طرح الكاتب والمحلل السياسي صلاح السقلدي تساؤلات بشأن دلالات ظهور الزبيدي، معتبراً أن مجرد ظهوره بعد انقطاع يمثل تحولاً مهماً، وأن كلمته، رغم اختصارها، لم تتضمن قرارات تنظيمية تخص المجلس الانتقالي أو توضح طبيعة علاقته بالقوى المحلية والإقليمية، باستثناء إعلان التعبئة، الذي وصفه بأنه قرار متوقع وقائم بالفعل على أرض الواقع.
وذهب السقلدي إلى اعتبار الكلمة محاولة لفتح صفحة جديدة مع الرياض وتجاوز الخلافات القائمة معها، متسائلاً عما إذا كانت المملكة ستتجاوب مع ما وصفه بالليونة الانتقالية، وما إذا كان الظهور قد جاء في إطار تفاهمات سعودية إماراتية.
غير أن هذه القراءة أثارت ملاحظات بشأن دلالات الخطاب ومفرداته، ولا سيما ما يتعلق بموقف الزبيدي من السعودية وشروط أي تفاهم سياسي معها.
ففي ما يتعلق بمضمون الكلمة، يبرز الفرق بين استخدام الرئيس الزبيدي عبارة «نطالب» وبين القول إنه «يناشد»، إذ تحمل المطالبة دلالة سياسية مختلفة، خصوصاً عندما ترتبط بالاعتراف بالإعلان الدستوري لدولة الجنوب، الذي أعلنه المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع يناير الماضي.
وبحسب هذه القراءة، فإن الزبيدي لم يطرح مسألة الاعتراف بالإعلان الدستوري بوصفها مطلباً موجهاً إلى السعودية وحدها، بل وجّه مطالبته إلى المجتمعين الإقليمي والدولي، مع ذكر المملكة في سياق هذه المطالبة، باعتبارها، وفق هذا الطرح، الطرف الذي وقف ضد الاعتراف بالإعلان الدستوري.
وتحمل هذه الرسالة، وفق القراءة ذاتها، تأكيداً على أن الوصول إلى الوفاق والاستقرار في العلاقة مع الرياض لا يمكن أن يتحقق، من وجهة نظر المجلس الانتقالي، بمعزل عن الاعتراف بالإعلان الدستوري لدولة الجنوب، الذي أُعلن قبل أحداث يناير.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن محاولة الزبيدي استرضاء السعودية أو تقديم تنازلات لها لا ينسجم بالضرورة مع مضمون المطالبة الواردة في كلمته؛ إذ إن ربط أي تفاهم سياسي بالاعتراف بالإعلان الدستوري يضع هذا الملف في صلب أي مسار محتمل للعلاقة بين الطرفين.
إدانة استهداف الأعيان المدنية.. ماذا قال الزبيدي؟
وفي سياق آخر، تتعلق الملاحظة الثانية بصياغة موقف الزبيدي من الاعتداءات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، إذ لم يقل إنه يتضامن مع المملكة أو يدين الاعتداء عليها بصيغة عامة، وإنما أدان الاعتداءات على الأعيان المدنية داخل المملكة.
ويستند هذا التمييز إلى أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يختلف عن استهداف المواقع والمنشآت العسكرية، وأن إدانة الاعتداءات على المدنيين تندرج ضمن موقف أخلاقي وإنساني لا يستلزم بالضرورة تبني المواقف السياسية أو العسكرية للطرف المستهدف.
وفي هذا السياق، يُطرح موقف الزبيدي باعتباره تعبيراً عن التمسك بأخلاقيات الخصومة، مع التأكيد على أن الخلافات السياسية لا تعني العداء للشعب السعودي، ولا تستوجب الصمت إزاء استهداف المدنيين.
وفي المقابل، وُجهت انتقادات إلى محاولات تفسير هذه الجزئية من الخطاب باعتبارها إعلان تضامن سياسي شامل مع الرياض، أو توظيفها لإثبات وجود تحول في موقف المجلس الانتقالي من المملكة، بعيداً عن الصياغة التي استخدمها الزبيدي بالفعل.
وتذهب هذه القراءة إلى أن اقتطاع العبارات من سياقها، أو استبدال دلالاتها بمعانٍ أخرى، من شأنه أن يؤدي إلى تضليل الرأي العام بشأن الرسائل التي تضمنتها الكلمة.
بين المطالبة السياسية والرسائل الإقليمية
تكشف هذه الملاحظات عن أهمية التعامل مع كلمة الزبيدي انطلاقاً من ألفاظها ومضامينها الفعلية، لا من التأويلات التي قد تُحمّلها مواقف لم يعلنها صراحة.
فالمطالبة بالاعتراف بالإعلان الدستوري لدولة الجنوب تضع القضية الجنوبية في مركز أي نقاش بشأن مستقبل العلاقة مع السعودية والمجتمعين الإقليمي والدولي، فيما تظل إدانة استهداف الأعيان المدنية موقفاً محدداً لا ينبغي توسيعه ليصبح إعلاناً عن تطابق سياسي شامل مع المملكة.
وبين القراءتين، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للتعامل مع المطالب التي أعلنها الزبيدي، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في المواقف تجاه الإعلان الدستوري لدولة الجنوب، أم أن الخلافات القائمة ستظل عائقاً أمام أي تفاهمات سياسية جديدة.




