أهم الاخبارلا تقرأ هدا الخبر

المجلس التنسيقي الأعلى.. مسرحية سياسية لضرب القضية الجنوبية وتفتيت الصف الحضرمي؟

المكلا – حضرموت نيوز 

في مشهد سياسي لا يخلو من المفارقات، خرج المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى بسيل طويل من البيانات والقرارات والتوصيات، وكأن حضرموت كانت تنتظر منذ سنوات هذا المؤتمر حتى يأتي في ساعات ليعلن، دفعة واحدة، إعادة ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي للمحافظة.

فخلال وقت قياسي، اجتمع المؤتمر، وأُقرت عشرات البنود، وزُكّي رئيس المجلس، محافظ المحافظة عضو المجلس الرئاسي سالم احمد الخنبشي، وفُوّض بتشكيل هيئة الرئاسة، وأُعلنت رؤية سياسية وتفاوضية، وجرى الحديث عن النفط والجيش والأمن والفيدرالية والعلاقات الدولية والمكاتب الخارجية والإعلام والاقتصاد.

كل ذلك في مشهد يوحي بأن كثيرًا من تفاصيل المسرحية كانت مكتوبة قبل أن تُرفع الستارة.

كومبارس في مؤتمر جاهز؟

السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان المؤتمر فعلًا مؤتمرًا تأسيسيًا لصناعة القرار، أم مجرد منصة لإعلان قرارات وترتيبات جرى إعدادها مسبقًا؟

فالمشاركون وجدوا أنفسهم أمام وثيقة ضخمة تضم 56 بندًا، ثم انتهوا إلى تزكية رئيس المجلس وتفويضه باختيار هيئة الرئاسة خلال أسبوعين.

وهنا يصبح من المشروع التساؤل: أين كانت المنافسة؟ أين النقاش الحقيقي حول القيادة؟ وأين الآليات التي تجعل من المؤتمر صاحب القرار بدلًا من أن يكون مجرد جهة تزكي ما تم الاتفاق عليه؟

ولهذا يصف منتقدون المشهد بأنه لم يكن أكثر من مسرحية سياسية، ظهر فيها بعض المشاركين كـ«كومبارس» يؤدون أدوارًا محددة في مشهد جرى إخراجه بعناية، ثم أُسدل الستار بإعلان كيان جديد تحت عنوان «حضرموت أولًا».

«حضرموت أولًا».. ولكن ضد من؟

لا أحد يرفض أن تكون حضرموت أولًا في حقوق أبنائها وتنميتها وأمنها وثرواتها.

لكن عندما يظهر كيان سياسي جديد في هذه اللحظة تحديدًا، ويطرح نفسه باعتباره صاحب مشروع سياسي حضرمي مستقل، ويصر على تمثيل منفصل في الحوار الجنوبي، فإن السؤال السياسي يصبح أكثر إلحاحًا:

هل الهدف فعلًا تنظيم الصف الحضرمي، أم إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يؤدي إلى إضعاف القضية الجنوبية وتفكيك أدواتها السياسية؟

هذه هي القراءة التي يتبناها خصوم المشروع، الذين يرون أن المجلس لم يُنشأ بمعزل عن الصراع السياسي القائم، وإنما يأتي ضمن محاولة لإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل حضرموت والجنوب، وإيجاد مكونات جديدة تنافس المجلس الانتقالي الجنوبي وتضعف حضوره السياسي.

وبحسب هذه القراءة، فإن الحديث عن «الندية» و«الاستقلالية الحضرمية» قد يتحول إلى وسيلة سياسية لفصل حضرموت عن السياق الجنوبي، وإضعاف الموقف الجنوبي الموحد، وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية مختلفة عن المسار الذي يمثله المجلس الانتقالي الجنوبي.

استهداف القضية الجنوبية

المفارقة أن المجلس يتحدث عن مشاركته في «الحوار الجنوبي الشامل» بوصفه طرفًا حضرميًا مستقلًا، وهي صيغة يرى منتقدوها أنها قد تؤدي عمليًا إلى إعادة تعريف القضية الجنوبية على أساس مكونات مناطقية متعددة، بدلًا من التعامل معها كقضية سياسية جامعة.

وبهذا المعنى، فإن الخطر الذي يحذر منه منتقدو المجلس لا يكمن في المطالبة بحقوق حضرموت، وإنما في استخدام هذه المطالب لإضعاف القضية الجنوبية نفسها، وتحويل حضرموت من عنصر أساسي في المشروع الجنوبي إلى ورقة تفاوضية منفصلة يمكن استخدامها في مواجهة المجلس الانتقالي وإضعاف موقعه في أي تسوية مقبلة.

فبدلًا من توحيد الصف الجنوبي مع ضمان حقوق حضرموت، قد يصبح المشهد أمام مشروع يقوم على تفكيك الجنوب سياسيًا إلى ملفات ومكونات متنافسة، بحيث يفقد الجميع القدرة على التفاوض من موقع قوي.

وماذا عن مؤتمر حضرموت الجامع؟

وهنا تبرز علامة استفهام أخرى أكثر حساسية تتعلق بـ«مؤتمر حضرموت الجامع».

فالمؤتمر الجامع نشأ أساسًا بوصفه إطارًا حضرميًا واسعًا يحمل مطالب أبناء حضرموت ويعبر عن رؤيتهم السياسية والحقوقية، ولذلك فإن ظهور كيان جديد يقدم نفسه بوصفه عنوانًا جامعًا آخر يطرح سؤالًا واضحًا:

هل نحن أمام توسيع للتمثيل الحضرمي، أم أمام محاولة لصناعة بديل سياسي ينافس مؤتمر حضرموت الجامع ويُضعف حضوره؟

ويرى منتقدو المجلس أن الأمر لا يبدو مجرد تعدد طبيعي في المكونات، بل محاولة لإنتاج جسم سياسي جديد قادر على سحب البساط من تحت مؤتمر حضرموت الجامع، وإعادة توزيع مراكز التمثيل والنفوذ داخل حضرموت وفق ترتيبات جديدة.

وإذا صح هذا التفسير، فإن المسألة لا تتعلق بتأسيس مجلس جديد فحسب، بل بمشروع لإعادة هندسة المشهد الحضرمي بالكامل.

«اللجنة الخاصة».. السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه

وسط كل هذه الأسئلة، يبرز الدور السعودي باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.

وتتداول أوساط سياسية وإعلامية اتهامات بأن ما يعرف بـ«اللجنة الخاصة السعودية» لعب دورًا في الدفع باتجاه تشكيل المجلس وترتيب انعقاد مؤتمره، وأن المشروع يأتي ضمن رؤية سعودية لإعادة صياغة موازين القوى في حضرموت والجنوب.

ولا يمكن تحويل هذه الاتهامات إلى حقيقة ثابتة من دون وثائق وأدلة معلنة.

لكن في السياسة، لا تكفي البيانات لنفي الشبهات؛ بل تحتاج المشاريع السياسية إلى تقديم إجابات واضحة عن مصادر الدعم، وطبيعة الاتصالات، وأسباب الاستعجال، والجهات التي دفعت باتجاه التأسيس، ولماذا اختير هذا التوقيت تحديدًا.

فالمجلس الذي يرفع شعار «القرار الحضرمي» مطالب قبل غيره بإثبات أن قراره حضرمي بالفعل.

56 بندًا لا تصنع شرعية

الوثيقة مليئة بالمطالب والأهداف: النفط، حصة الـ20%، الفيدرالية، الأمن، الجيش، التنمية، الاقتصاد، العلاقات السعودية، المكاتب الخارجية، الإعلام، الشباب، المرأة، المجتمع المدني.

لكن كثرة البنود لا تعني بالضرورة قوة المشروع.

فالشرعية السياسية لا تُنتجها عشرات الصفحات، ولا تُصنع بكثرة التوصيات، وإنما بالتمثيل الحقيقي، والقبول الشعبي، والاستقلالية، والقدرة على التنفيذ.

أما أن يولد الكيان وفي يومه الأول يريد أن يكون ممثلًا سياسيًا لحضرموت في المفاوضات، وصاحب رؤية تفاوضية، ومؤثرًا إقليميًا ودوليًا، فهذا يجعل السؤال عن حجمه الشعبي والسياسي أكثر إلحاحًا.

حضرموت ليست ساحة لتجارب الوكلاء

حضرموت تحتاج إلى مشروع سياسي حقيقي، لا إلى مكونات جديدة تُضاف إلى قائمة المكونات الموجودة.

تحتاج إلى مؤسسات تمثل أبناءها بصدق، وإلى موقف يحمي ثرواتها، وإلى أمن يحمي أهلها، وإلى تنمية حقيقية، وإلى تمثيل سياسي عادل.

لكنها لا تحتاج إلى تحويل مطالبها المشروعة إلى أداة لضرب القضية الجنوبية أو تصفية الحسابات مع المجلس الانتقالي الجنوبي أو تفكيك الأطر الحضرمية القائمة.

فالاختلاف السياسي حق، وتعدد المكونات حق، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التعدد إلى صناعة كيانات وظيفتها الأساسية إضعاف كيان آخر، أو تفتيت قضية لصالح ترتيبات إقليمية.

الخلاصة

المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى أمام امتحان صعب منذ لحظة ولادته.

فإما أن يثبت أنه مشروع حضرمي مستقل، نشأ من إرادة حقيقية واسعة، وأن «حضرموت أولًا» ليست مجرد شعار سياسي يُستخدم لإعادة توزيع النفوذ.

وإما أن تكشف الأيام، وهو الاحتمال الأرجح، أنه كان مجرد حلقة جديدة في مسلسل تفكيك الصف الجنوبي، وإضعاف القضية الجنوبية، ومحاصرة نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، وإيجاد بديل ينافس مؤتمر حضرموت الجامع، ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.

وفي كل الأحوال، فإن السؤال سيبقى قائمًا:

هل وُلد المجلس من رحم الإرادة الحضرمية فعلًا، أم وُلد من غرف السياسة الإقليمية ثم أُدخل إلى قاعة المؤتمر ليتلقى التصفيق والتزكية؟

فالفرق بين المشروع الوطني والمشروع الوظيفي لا تحدده الشعارات التي تُرفع في القاعة، وإنما تكشفه الأيام والمواقف والقرارات عندما تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي.

حضرموت ليست كومبارسًا في مسرحية سياسية، وأبناءها ليسوا جمهورًا مطلوبًا منه التصفيق لسيناريو مكتوب مسبقًا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic