مقالات الرأي

أزمة آلية ممارسة السلطة وإدارة الخلافات في الرئاسي والشرعية

بقلم: محمد سالم بن حمدين *

أعادت أزمة التعديل الوزاري الأخيرة في الحكومة الشرعية طرح أسئلة دستورية وإدارية تتجاوز التعيينات وتمس طبيعة عمل الدولة نفسها. فاستمرار الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي، ثم اللجوء إلى التسويات بعد صدور القرارات، يكشف أن الإشكال يتعلق بآلية ممارسة السلطة وإدارة الاختلاف داخل أعلى مؤسسة في اليمن! لفت انتباهي في هذا السياق ما كتبه الصديق Muaamar Batawil، معمر باطويل، في مقاله أن “القضية بالنسبة لي ليست مرتبطة بشخص الوزير معالي المهندس Badr Basalma، بقدر ما هي مرتبطة بالمشروع الذي قاده” وهذه العبارة تعكس مبدأ أوسع في بناء الدول اللامركزية، حيث المؤسسات تُقاس بقدرتها على استبدال الأشخاص مع حماية المشاريع الوطنية واستمرارها.

انقسام الشرعية يمنح الحوثي الإرهابية فرصة إضعاف الثقة بالمؤسسات، وإطالة أمد الصراع

هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الإشكالية. فقد شهدت أحداث ديسمبر الماضي اعتراضات على تعيينات أصدرها عضو مجلس القيادة الرئاسي المُقال عيدروس الزبيدي ثم تمرير بعضها، كما أثار القرار المنفرد المتعلق باتفاقية الدفاع مع دولة الإمارات رد فعل من عدد من أعضاء المجلس الذين أكدوا في بيان مشترك أن إعلان نقل السلطة أنشأ قيادة جماعية، وأن القرارات السيادية يجب أن تصدر وفق هذا الإطار المؤسسي. واليوم يتكرر المشهد مع التعديل الوزاري الأخير بتمرير قرار واعتراض البقية، ليتبعه استقالة وزير الإدارة المحلية -المُعين وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي- معالي المهندس بدر باسلمة، الذي وصف استقالته بأنها “ناقوس خطر وصوت مسؤولية وطنية”. تكرار المشهد في أكثر من مناسبة يكشف نمط متكرر في إدارة القرار في مؤسسة الرئاسة ويؤكد أن الأزمة تجاوزت مضمون القرار إلى آلية إصدارة.

تزداد الأزمة بشكل أعمق مع إحالة رئاسة الجمهورية لعيدروس الزبيدي إلى النيابة العامة بتهمة “الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية” وفق المادة 125 من قانون الجرائم والعقوبات، وفقاً للقرار الرئاسي رقم (1) ورقم (2) لسنة 2026؛ مع وجود تسريبات إعداد ملف ضده لرفعه إلى(الإنتربول). وهذا يعني أن نمط التفرد بالقرار وتجاوز آلية التوافق حاضر بقوة كلما تعلق الأمر بملفات سيادية أو قانونية ذات حساسية عالية، بينما يغيب هذا المبدأ في محطات أخرى تتعلق بممارسة بعض الصلاحيات التنفيذية للرئيس. هذا يجعل مؤسسة الرئاسة تلجاء باستمرار إلى البحث عن توافقات تعالج أزمة كان يفترض أن يمنعها التوافق منذ البداية أو التنازل لرئيس المجلس بممارسة صلاحياته. فهل أصبح التوافق قاعدة دستورية تحكم جميع أعمال مجلس القيادة أم أنه يُفعّل في بعض الملفات ويُعطل في أخرى وفق الظروف السياسية؟ الدولة لا تقوم على التطبيق الانتقائي للمبادئ، فالقواعد الإجرائية تستمد قوتها من هيبة إصدارها، وليس من قابليتها للتكييف بحسب طبيعة كل ملف! وإذا كان التوافق يمثل الأساس الذي قامت عليه فلسفة إعلان نقل السلطة، فمن الطبيعي أن ينعكس على جميع القرارات التي تمس عمل المجلس، لا أن يبقى مبدأ يُستحضر عند الحاجة ويُغيب عندما تتعارض نتائجه مع الإرادة السياسية لأحد الأطراف.

وبالعودة إلى إعلان نقل السلطة الصادر في 7 أبريل 2022 لم يقتصر على إنشاء مجلس القيادة الرئاسي، وإنما وضع إطار مؤسسي متكامل لتنظيم المرحلة الانتقالية! فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان على تشكيل فريق قانوني يتولى إعداد القواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي، مع منحه صلاحية تقديم الرأي الاستشاري في المسائل التشريعية والدستورية المتعلقة بعمل المجلس. وعليه، أنجز الفريق القانوني هذه المهمة وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي القرار رقم (119) لسنة 2025 بتاريخ 27 مارس 2025، باعتماد القواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي. بذلك أصبح للمجلس إطار قانوني ينظم إجراءات عمله وآليات اتخاذ قراراته. هذا يقود إلى نتيجة أن هناك لائحة منظمة لأعمال المجلس، بينما تبقى المشكلة في مدى الالتزام بتطبيقها. تبرز هنا أيضاً مسؤولية وزارة الشؤون القانونية، باعتبارها الجهة المختصة بمراجعة مشروعات القرارات من الناحية القانونية قبل إصدارها. فالمراجعة القانونية تشمل التحقق من استيفاء الإجراءات التي يتطلبها الإطار القانوني المنظم لعمل السلطة التنفيذية وقراراتها. ولهذا من المشروع أن يتساءل الرأي العام عن مدى اتساق القرارات الصادرة مع القواعد التنظيمية المعتمدة، خاصة عندما تثار خلافات حول إجراءات إصدارها. ولا يقل هذا عن أهمية الدور الدستوري لمجلس النواب الذي يمثل ركن أساسي في منح الثقة للحكومة. يكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل عدم حصول حكومة الدكتور شائع الزنداني، المُشكّلة منذ فبراير 2026، على ثقة مجلس النواب حتى الآن، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية ودستورية حول مباشرتها لاختصاصاتها.

مؤسسة الرئاسة تلجاء باستمرار إلى البحث عن توافقات تعالج أزمة كان يفترض أن يمنعها التوافق منذ البداية

التجارب المقارنة تقدم دروس مهمة في هذا المجال! ففي البوسنة والهرسك، نشأ مجلس الرئاسة الثلاثي بموجب (اتفاق دايتون) لضمان التوازن بين المكونات القومية. أثبتت التجربة أن تجاوز آليات التوافق كان يقود في كل مرة إلى أزمات دستورية وسياسية؛ وفي ليبيا، نص الاتفاق السياسي على ممارسة المجلس الرئاسي لاختصاصاته بصورة جماعية. وكلما جرى تجاوز هذا المبدأ في القرارات والتعيينات، دخلت البلاد في أزمات سياسية دفعت بعثة الأمم المتحدة إلى التحذير من أن الإجراءات الأحادية تقوض ثقة الشعب الليبي في مؤسسات الدولة وتزيد من حالة الانقسام. أما جنوب أفريقيا، فقد نجحت حكومة الوحدة الوطنية في إدارة مرحلة انتقالية معقدة ضمت أطراف كانت في حالة صراع لعقود. وقد كان سر نجاح تجربة جنوب أفريقيا في بقاء الخلافات داخل المؤسسات مع الالتزام بقواعد اتخاذ القرار والمسؤولية الجماعية.

وفي التجربة السويسرية هناك نقاش دستوري يستحق التأمل في الحالة اليمنية! فعدد أعضاء المجلس الفيدرالي السويسري سبعة أعضاء، وهو عدد قريب من تركيبة مجلس القيادة الرئاسي اليمني. يُنتخب رئيس المجلس لمدة عام واحد، مع احتفاظ جميع الأعضاء بمكانتهم القانونية المتساوية. بالتالي، لا تتحول الرئاسة إلى مركز مستقل للسلطة، وإنما تبقى وظيفة تنسيقية وتمثيلية داخل مؤسسة جماعية. ولا يعني ذلك أن النموذج السويسري قابل للنقل بحذافيره إلى اليمن، فالفارق بين التجربتين كبير من حيث الاستقرار السياسي والتقاليد الدستورية. إن نجاح التجربة السويسرية يضعنا أمام سؤال، هل تحتاج اليمن في أي مراجعة مستقبلية لإعلان نقل السلطة أو للقواعد المنظمة لعمل مجلس القيادة الرئاسي إلى إعادة النظر في طريقة اختيار رئيس المجلس، ومدته، وطبيعة صلاحياته، بما يعزز مفهوم القيادة الجماعية ويحد من تكرار الخلافات حول ممارسة السلطة؟ إن جوهر الفكرة لا يكمن في استيراد نموذج دستوري أجنبي، وإنما في الاستفادة من التجارب المقارنة التي أثبتت أن المجالس الجماعية تنجح عندما تكون الرئاسة أداة لتنظيم عمل المؤسسة، لا مصدرًا لإعادة إنتاج السلطة الفردية داخل إطار جماعي.

لا ينبغي أن يُفهم هذا النقاش بوصفه جدل قانوني وسياسي مجرد. فكل يوم تتأخر فيه مؤسسات الدولة عن ترسيخ قواعد الحكم، يزداد المشروع الحوثي المدعوم من إيران قدرة على استثمار الانقسامات السياسية، وتضعف ثقة المواطن بقدرة الشرعية على تقديم نموذج مختلف في إدارة الدولة. الانتصار على الانقلاب يتحقق ببناء مؤسسات تُجسد قيم الدولة التي قامت الحرب أصلًا لاستعادتها وليس بالسلاح وحده. في رأيي أنه كلما أصبحت القرارت الجمهورية محل تفاوض وتعثر بعد صدورها، تراجعت الثقة في مؤسسة الرئاسة، مهما بلغت سلطة صانع القرار من الناحية القانونية والسياسية.

اليمن اليوم يخوض معركة وجودية لاستعادة الدولة ومؤسساتها من قبضة الانقلاب الحوثي الإرهابي. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتقدم فيها المصلحة العليا للدولة، تصبح وحدة القرار، والالتزام بالمؤسسية، واحترام آليات التوافق، وصون هيبة القرارات الصادرة عن الرئيس، جزء من معركة استعادة الدولة. أي انقسام داخل القيادة الشرعية يمنح جماعة الحوثي الإرهابية فرصة لتكريس الانقسام، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإطالة أمد الصراع.

الانتصار على الحوثي يتحقق ببناء مؤسسات تُجسد قيم الدولة التي قامت الحرب أصلًا لاستعادتها وليس بالسلاح وحده

* باحث قانوني – الولايات المتحدة الأمريكية.

صفحة بن حمدين في الفيسبوك:

https://www.facebook.com/share/14iNCwzNPTN/

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic