مقالات الرأي

الاستكبار بين الفكر والممارسة: قراءة في قضية ميرا صدام

بقلم: د. احمد بن إسحاق

قبل أيام كتبت مقالا بعنوان “ميرا صدام حسين… قبل أن تكبر الفتنة”، محذرا من أن معالجة الأزمات ينبغي أن تسبق اشتعالها، لا أن تتأخر حتى تتحول إلى نزاع يصعب احتواؤه. فقد كان واضحا منذ اللحظات الأولى أن القضية لا تتعلق بأسرة أو قبيلة فحسب، وإنما تحمل في طياتها قابلية للتحول إلى فتنة اجتماعية وقبلية، وهو ما كان يقتضي تحركا مبكرا يطفئ أسباب الاحتقان قبل أن تتسع دائرة الخلاف.
واليوم، لا أريد العودة إلى تفاصيل القضية بقدر ما أريد التوقف عند مفهوم فكري طالما احتل مساحة واسعة في محاضرات السيد حسين بدر الدين الحوثي، والتي أصبحت لاحقا تُعرف بـ”الملازم”، وتحولت إلى المرجعية الفكرية لجماعة أنصار الله، وهو مفهوم الاستكبار.
لقد قدّم السيد حسين، رحمه الله، معالجة لافتة لهذا المفهوم، لم تقتصر على نقد السياسات الأمريكية أو الصهيونية، بل انطلقت من القرآن الكريم بوصفه المصدر الذي يعرّف الاستكبار ويكشف صوره. فالاستكبار في طرحه لم يكن مجرد توصيف سياسي لخصوم بعينهم، وإنما مفهوم قرآني يصف كل حالة يُحتكر فيها الحق، ويُفرض فيها الرأي بالقوة، ويُستعلى فيها على الناس، ويُرفض فيها الإنصاف والعدل. ومن هنا جاءت قوة هذا المفهوم واتساعه؛ لأنه لا يرتبط بهوية المستكبر، وإنما بطبيعة سلوكه.
ولعل ما يميز هذا الطرح أنه يجعل مفهوم الاستكبار معيارا أخلاقيا عاما، لا شعارا سياسيا موجها إلى الخارج فقط. فالسؤال الذي يفرضه هذا المفهوم ليس: من هو المستكبر؟ بل: كيف يتصرف المستكبر؟ وإذا كان المعيار هو السلوك، فإن هذا المفهوم يصبح صالحا لمراجعة كل سلطة، وكل جماعة، وكل فرد، بما في ذلك من يرفعون شعار مقاومة الاستكبار أنفسهم. فالمبدأ لا يفقد عموميته بمجرد أن ينتقل صاحبه من موقع المعارضة إلى موقع السلطة.
إن قيمة أي مشروع فكري لا تظهر عندما ينتقد خصومه، وإنما عندما يمتلك الشجاعة لتطبيق معاييره على نفسه. فالأفكار الكبرى لا تفقد قيمتها بسبب أخطاء أتباعها، لكنها تفقد كثيرا من قدرتها على الإقناع عندما تتحول إلى معايير يُحاسَب بها الآخرون، بينما تُستثنى منها الذات.
وهنا يبرز سؤال أراه مشروعا: هل الاستكبار هوية سياسية، أم سلوك إنساني؟
إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الاستكبار لم يُقدَّم باعتباره صفة لقوم أو أمة بعينها، وإنما باعتباره انحرافا في السلوك. فلم يكن فرعون مستكبرا لأنه فرعون، بل لأنه احتكر الحقيقة وقال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، ولم يكن إبليس مستكبرا لأنه من الجن، وإنما لأنه رفض الانقياد للحق بعدما تبين له، فقال سبحانه: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. فالاستكبار يبدأ عندما يعتقد الإنسان، أو تعتقد السلطة، أن امتلاك القوة يغني عن سماع الآخرين، أو أن النفوذ يعفي من إقامة الدليل.
ومن هذا المنطلق، فإن قضية ميرا صدام تستحق أن تُقرأ بعيدا عن الاصطفافات السياسية والقبلية. فليست القضية هنا إثبات صحة رواية هذا الطرف أو ذاك، وإنما تقييم للطريقة التي أُدير بها الخلاف، ومدى انسجامها مع المبادئ التي طالما رُفعت في الخطاب الفكري.
لقد كان بإمكان الجهات المعنية، منذ اللحظة الأولى، أن تنأى بنفسها عن كل مظاهر الانحياز، وأن تشكل لجنة علمية وقانونية مستقلة تشرف على إجراء فحص الحمض النووي للطرفين، وتعلن النتائج للرأي العام بكل شفافية. فمثل هذا الإجراء لم يكن انتصارا لطرف على آخر، بل انتصارا للحقيقة، ووسيلة لإغلاق أبواب الشك قبل أن تتحول إلى أبواب للفتنة.
لكن الاكتفاء – كما بدا لكثير من المتابعين – بسماع رواية طرف واحد، وعدم اتخاذ إجراءات محايدة وشفافة تطمئن جميع الأطراف، أوجد شعورا لدى شريحة من المجتمع بأن السلطة لم تعد تقف على مسافة واحدة من الجميع. وهنا لا تكمن المشكلة في صحة الرواية أو بطلانها، وإنما في أن العدالة لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب أن يطمئن الناس إلى وجودها.
إن السلطة الواثقة من عدالة موقفها لا تخشى الشفافية، بل تسعى إليها، لأنها تعلم أن التحقيق المستقل لا ينتقص من هيبتها، وإنما يعزز ثقة الناس بها. أما حين تغيب الإجراءات الكفيلة بإزالة الشكوك، فإن المجال يبقى مفتوحا للتأويلات، ويتحول الجدل من البحث عن الحقيقة إلى التشكيك في حياد السلطة نفسها.
وهذا لا يعني أن كل خطأ في التقدير أو كل قرار غير موفق يُعد استكبارا، فذلك تعميم لا يستقيم. غير أن الاستكبار، كما يقدمه القرآن وكما شرحه السيد حسين، يبدأ عندما تشعر السلطة بأنها ليست مطالبة بتقديم الدليل، أو ليست بحاجة إلى الإنصات للرأي الآخر، أو أن امتلاكها للقوة يكفي لإقناع الناس بصحة ما تذهب إليه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع فكري هو أن يتحول إلى منظومة تُدين الاستكبار عندما يصدر من الخصوم، بينما تتردد في مراجعته عندما تظهر بعض ملامحه داخل التجربة نفسها. فالمبادئ لا تُختبر في ساحات الخصومة، وإنما تُختبر عندما يصبح أصحابها في موقع السلطة، لأن السلطة هي الامتحان الحقيقي للأفكار.
إنني لا أكتب هذه السطور دفاعا عن طرف، ولا اتهاما لطرف، وإنما دفاعا عن قيمة أراها فوق الجميع، وهي أن الحقيقة لا ينبغي أن تخشى الشفافية، وأن العدالة لا تكتمل إلا عندما يطمئن إليها الجميع. فالسلطة العادلة ليست هي التي تؤكد أنها عادلة، وإنما هي التي توفر من الإجراءات ما يجعل الناس يثقون بعدالتها.
لقد سبق أن حذرت من أن معالجة الأزمات بعد انفجارها ليست حكمة، وإنما تعويض عن غياب الحكمة. واليوم أضيف أن معالجة الأزمات بروح العدل والشفافية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي التطبيق العملي لأي مشروع فكري يرفع قيم القرآن شعارا ومنهجا.
ويبقى السؤال الذي أتركه للقارئ: إذا كان الاستكبار هو احتكار الحقيقة، ورفض الإنصات، والاستغناء عن الشفافية، فهل يكفي أن نرفضه عندما يصدر من خصومنا، أم أن الوفاء الحقيقي للمبدأ يقتضي أن نرفضه أيضا عندما يظهر في ممارساتنا نحن؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد موقفنا من قضية ميرا صدام وحدها، بل تحدد أيضا مدى قدرتنا على التمييز بين المبدأ والموقف، وبين الفكر والممارسة. فالمبادئ التي تصمد أمام مراجعة الذات هي وحدها التي تمتلك القدرة على البقاء، أما المبادئ التي تُرفع في مواجهة الخصوم ثم تُعطل عند امتلاك السلطة، فإنها تتحول، بمرور الوقت، من قيمٍ حاكمة إلى شعاراتٍ سياسية، وتفقد شيئا فشيئا قدرتها على إقناع الناس.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic