قضية حضرموت والجنوب.. الجذور والمشكلة والحل (2)
بقلم: محمد أحمد بالفخر
في المقال السابق كان حديثي عن الدعوة التي قدمت لي من مركز الخليج للأبحاث للمشاركة في سلسلة ورش عمل مفاهيمية للقضية الجنوبية وتحدثت عما جرى في الورشة الثانية أما الأولى فقد فاتني حضورها،
والورشة الثالثة التي عُقِدَت يوم الأحد 15 فبراير فقد كانت بعنوان (العدالة، المصالح، وبناء الثقة) والهدف ربط قضية الجنوب بالعدالة والسلام المستدام، وبطبيعة الحال قدّم المشاركون مشاركات رائعة أثرت العنوان بمفاهيم وأفكار جميلة،
ونظراً لعدم حضوري الورشة الأولى فقد حضرت يوم الأحد بورقة مكتوبة عبارة عن بحثٍ شامل احتوى على عشرين صفحة تضمن قناعاتي بأن لحضرموت قضية قبل القضية الجنوبية،
وبعد أن قدمت تعريفي للقضيتين وجذورهما تطرقت للحلول المتاحة،
ونظراً لطول البحث لم أتمكن من قراءته كاملاً في القاعة حتى لا آخذ من وقت بقية الاخوة المشاركين فلهذا قدمته لمدير الورشة الدكتور صالح الخثلان،
وهنا يسرني أن أقدمه لمتابعي على عدة حلقات وفق المساحة المتاحة للاطلاع على وجهة نظري حيال قضايانا المعاصرة..
فكانت المقدمة:
إذا أردنا أن نُحِلَّ مشكلة فعلينا البحث في أصولها ونتعرف على كل الجوانب التاريخية حتى نصل إلى تصور شامل يسير بنا الى الحلول الناجعة بأقل التكاليف،
والقضية الجنوبية المُختلف على توصيفها، إذا أردنا لها الحل فينبغي أن نحل القضية الحضرمية أولاً لأن الاستمرار في سردية القضية الجنوبية يجعلنا نقفز على حقائق تاريخية ونعطي حقوقاً لمن لا يستحقها، فالقضية الجنوبية في الصوت العالي هي ما يريده فريق خسر حرب عام 1994م وخسر المناصب والمكاسب ويرى نفسه هو الجنوب والجنوب هو ومرّر هذه المغالطة التاريخية حتى أصبح الوطن يدفع أثماناً غالية بسببها،
ولأبدأ أولا هنا بقضية حضرموت:
عُرِفَت حضرموت بهويتها وتاريخها وجغرافيتها المستقلة منذ آلاف السنين في جنوب الجزيرة العربية وهي أحد الأقاليم الثلاثة في جنوب جزيرة العرب مع اقليم عمان واقليم اليمن، وكانت مساحتها تتمدد أو تنكمش وفق قوة الدولة أو ضعفها في ذلك الوقت وحصل ان تعرّضت للضم والالحاق ذات يوم في القرن الثالث الميلادي في عهد الملك شمّر يهرعش ملك مملكة حِمْيَر اليمنية، لكنها احتفظت باسمها في الكيان الجديد المسمى (مملكة سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت) وحتى ظهور مملكة كندة الحضرمية قبل العصر الإسلامي ظلّت حضرموت كياناً مستقلاً وتعرضت بين الحين والآخر لحملات استئصالية في زمن الحكومات الإسلامية بدأً من حملة عكرمة بن أبي جهل ومروراً بحملة ابن السعدي وشعيب البارقي في نهاية عهد الدولة الأموية فقتل شعيب الرجال، وبقر بطون النساء، وقتل الصبيان، وأخذ الأموال، وعقر النخل، وحرق القرى، وكذلك فعل معنْ بن زايده والي الدولة العباسية على اليمن ما هو أشنع ممن سبقه،
كل ذلك انتقاماً من مواقف الحضارم إلى جانب الحق ودعاته وإلى جانب المظلومين وحقوقهم، وهذا كان استهدافاً للروح الثورية الحضرمية المناهضة للظلم والطغيان،
وحتى حملة الدولة الأيوبية قتلت ما لا يقل عن ثلاثمائة عالم للأسباب ذاتها،
وصارت حضرموت فيما بعد مستباحة لكثير من القبائل الوافدة حتى حُكِمَت من قبل قبيلة آل كثير الهمدانية والتي استعانت بقبائل من يافع بمشورة من امام اليمن لتوسيع سلطنتها وتثبيت حكمها على الأرض الحضرمية،
وما لبثت أن أقامت القبائل اليافعية هي الأخرى سلطنات متفرقة في حضرموت بعد ضعف السلطنة الكثيرية،
ومن أشهرها السلطنة القعيطية التي تمددت على معظم الأراضي الحضرمية ولم يتبقى لسلطنة آل كثير إلا مساحة بسيطة مقارنة بمساحة السلطنة القعيطية،
وكُبِّلَت السلطنتين فيما بعد باتفاقية حماية مع الاحتلال البريطاني المسيطر على عدن وبقية مناطق الجنوب اليمني،
ومع انتشار حركات التحرر العربي ذات الفكر القومي تم اسقاط حضرموت من قبل رفاق الجبهة القومية في 17سبتمبر1967م واعيد السلطانين القعيطي والكثيري من حيث كانوا قادمين إلى جده بحراً،
وأصبحت حضرموت محافظة من محافظات جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية،
وهذا الضم القسري هو الأول من نوعه..
وحتى بريطانيا وهي المحتلة لعدن وكل السلطنات تحت حمايتها عندما اقامت ما سُمّي باتحاد الجنوب العربي لم تجبر سلطنتي حضرموت إضافة الى سلطنة المهره وسقطرى وسلطنة الواحدي على الانضمام القسري لمشروعها بعد أن رفضوا الانضمام طوعياً لهذا المشروع البريطاني،
هنا سأتوقف ونكمل في المقال القادم بإذن الله.



