شبام حضرموت.. ناطحات سحاب الطين تكشف عبقرية معمارية سبقت الزمن

علوي بن سميط – حضرموت نيوز
تُعد مدينة شبام واحدة من أبرز الشواهد الحية على عبقرية العمارة الطينية في العالم، إذ تقدم نموذجًا فريدًا لمدينة عمودية متكاملة بُنيت من الطين الخالص، لتستحق عن جدارة لقب “مانهاتن الصحراء”.
وتكشف الخرائط المعمارية الخاصة بالمدينة عن توزيع دقيق للمنازل ومستويات ارتفاعاتها، مع تحديد واضح لعدد طوابق كل منزل وفق مفتاح هندسي يُظهر التدرج الرأسي للبناء داخل المدينة التاريخية.
وبحسب هذه الخرائط، تتوزع المباني بين منازل منخفضة الارتفاع تتراوح من طابق واحد إلى ثلاثة طوابق، وأخرى متوسطة بين أربعة وخمسة طوابق، إلى جانب مبانٍ شاهقة تصل إلى ستة وسبعة طوابق، فيما تسجل بعض المنازل ارتفاعات استثنائية تصل إلى تسعة طوابق.
ويبرز منزل عبدالله عوض باعبيد كأحد أعلى المباني التاريخية في المدينة، حيث يصل إلى تسعة طوابق بارتفاع يقارب 30 مترًا، في دلالة واضحة على المستوى المتقدم الذي بلغته الهندسة المعمارية الطينية في شبام منذ قرون.
وتُظهر الخارطة أن الواجهة الجنوبية للمدينة، المعروفة بالجهة البحرية، تُعد الأكثر ارتفاعًا من حيث عدد الطوابق، تليها الجهة الغربية، حيث تنتشر المنازل ذات الارتفاعات الكبيرة بشكل لافت، بينما تحافظ الواجهات الأربع المطلة على سور المدينة على أعلى مستويات البناء مقارنة بالمناطق الداخلية.
أما في قلب المدينة، فتنتشر أيضًا منازل متعددة الطوابق تتراوح بين أربعة وستة وسبعة طوابق، ما يعكس تخطيطًا عمرانيًا متوازنًا يهدف إلى استيعاب الكثافة السكانية داخل نطاق محصور، مع الحفاظ على الأمن والتهوية والتنظيم الحضري.
ويرى باحثون في التراث العمراني أن هذا النمط المعماري الفريد لم يكن مجرد استجابة لحاجة سكنية، بل يمثل فلسفة حضارية متكاملة جمعت بين الأمن والاقتصاد في المساحة والانسجام البيئي، حيث وفّر البناء الرأسي حماية من الغزوات والسيول، وفي الوقت ذاته حافظ على الأراضي الزراعية المحيطة.
وتظل شبام، بما تحمله من إرث معماري وإنساني استثنائي، شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان الحضرمي على تطويع البيئة وتحويل الطين إلى ناطحات سحاب صمدت لقرون، ولا تزال حتى اليوم تثير دهشة المعماريين والباحثين حول العالم.



