مقالات الرأي

فوضى التفويضات في زمن العتمة والتفاهمات السرية

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

في لحظةٍ تختلط فيها الشعارات بالمعاناة اليومية، يبدو الحديث عن “تفويض” جديد كأنه قفزٌ فوق اسئلة هامة دون إجابات عنها. فقبل أن يسأل الناس عن تجديد تفويض لهذا الطرف أو ذاك، يصبح من الضروري التوقف عند أصل الفكرة نفسها: من فوض؟ ولماذا؟ وإلى متى؟ وبأي نتائج؟ لأن التفويض، في جوهره، ليس صكا مفتوحا، بل عقدا سياسيا مشروطا بالإنجاز والمساءلة.
اليوم، ترفع الأصوات لتجديد تفويض عيدروس، في وقتٍ تغرق فيه المدن في الظلام، وتتعثر الحكومة في أبسط وظائفها، وتبدو مؤسسات الدولة أقرب إلى الهياكل المعطلة منها إلى أجهزة فاعلة. هنا، لا يعود السؤال عن التفويض مسألة شكلية، بل يتحول إلى اختبار حقيقي: هل التفويض أداة لحل الأزمات، أم غطاء للاستمرار رغم الفشل؟
وإذا كان البعض يرى في الشارع مصدر الشرعية، فإن الشارع نفسه لم يسأل يوما عن تفويض سابق منح، ولا عن مدته، ولا عن حصيلته. ماذا عن تفويض رشاد؟ متى بدأ؟ ومتى ينتهي؟ وما الذي تحقق خلاله؟ وهل يملك من فوضوا أنفسهم الجرأة للعودة إلى الناس بتقييم صريح، بدل القفز إلى تفويض جديد قبل إغلاق ملف القديم؟
الأخطر من ذلك، أن مشهد التفويضات المتتالية يجري بالتوازي مع مفاوضات تدار خلف الكواليس، بعيدا عن أعين الشعب ومؤسساته. مفاوضات ترسم فيها ملامح مستقبل بلدٍ كامل، بينما يطلب من المواطن أن يصفق أو يحتشد دون أن يعرف ماذا يطبخ باسمه. هنا تتجلى المفارقة القاسية: سيادة ترفع كشعار في الساحات، بينما تترجم فعليا في غرف مغلقة خارج الإرادة الوطنية.
وفي ظل هذا كله، تغيب المجالس المحلية، أو تجمّد، أو تفرّغ من مضمونها، رغم أنها الأقرب إلى الناس والأقدر – نظريا – على التعبير عن احتياجاتهم. لكن حين تعطل هذه القنوات، يصبح “التفويض” بديلا هشا عن مؤسسات يفترض أن تكون هي مصدر القرار، لا مجرد متفرج عليه.
انقطاعات الكهرباء لساعات طويلة اليوم لاتكشف فقط عن عجز تقني، بل عن خلل أعمق في الإدارة، في الأولويات، وفي القدرة على تحويل الموارد إلى نتائج. وهنا، يصبح الحديث عن التفويض بلا معنى إذا لم يقترن بخطة واضحة، ومحاسبة جدية، وزمن محدد للإنجاز.
إن أخطر ما في مرحلة الفوضى ليس تعدد الأطراف، بل غياب القواعد. وحين يتحول التفويض إلى أداة تستخدم عند الحاجة، دون ضوابط أو مراجعة، فإنه يفقد قيمته، ويتحول إلى مجرد أداة تعبئة، لا وسيلة حكم رشيد.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل نجدد التفويض؟ بل: كيف ننهي عصر التفويضات المفتوحة؟ كيف نعيد الاعتبار للمؤسسات؟ كيف نجعل أي تفويض مشروطا بزمن، ومقيدا بالإنجاز، وخاضعا للمحاسبة؟
بدون ذلك، سنظل ندور في الحلقة نفسها: مظاهرات تمنح تفويضا، وسلطة لا تحاسب، وأزمات تتكرر، وشعب يطلب منه أن يمنح الثقة مرة بعد أخرى، دون أن يرى نتيجة تبرر هذه الثقة.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish