مال وأعمال

حماية النفط في حضرموت.. بين نموذج الستينيات وتحديات الحاضر والمستقبل

علوي بن سميط – حضرموت نيوز

تُعيد التحولات الراهنة في قطاع النفط بحضرموت إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول طبيعة إدارة الموارد وآليات حمايتها، في مقارنة لافتة بين ما كان معمولاً به في ستينيات القرن الماضي، وما آلت إليه الأوضاع اليوم، وسط تحديات متزايدة تمس الجوانب الأمنية والإدارية.

تشير الوقائع التاريخية إلى أن أعمال المسح والاستكشاف النفطي في منطقة ثمود بحضرموت انطلقت خلال منتصف الستينيات، عبر اتفاقية رسمية أبرمتها سلطنتا القعيطي والكثيري مع شركة “بان أمريكان”، بعد مفاوضات امتدت منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. وقد تميزت تلك المرحلة – وفق الروايات المحلية – بقدر من الشفافية، حيث أُعلن عن الاتفاقية لأهالي حضرموت بشكل واضح.

وفيما يتعلق بالجانب الأمني، اتبعت السلطنتان نهجاً مغايراً لما هو شائع حالياً، إذ لم تُكلّف القوات النظامية – بما فيها الجيش والشرطة والبوليس المدني – بحماية مواقع الإنتاج بشكل مباشر داخل الحقول، بل اقتصر دورها على تأمين محيط العمليات من الخارج. في المقابل، جرى إنشاء قوة حماية خاصة عُرفت بـ“أسكورت فورس”، تضم أفراداً من أبناء المناطق الصحراوية مثل ثمود ورماة والقف وحجر الصيعر وزمخ ومنوخ والعبر، إلى جانب مناطق وادي حضرموت.

وتولت شركة “بان أمريكان” تمويل هذه القوة بشكل كامل، بينما خضعت من الناحية السيادية والرقابية لإشراف حكومتي القعيطي والكثيري. كما تم تأهيل أفرادها وتدريبهم بإشراف ضباط محليين، في خطوة هدفت إلى تعزيز ارتباط المجتمع المحلي بحماية منشآت النفط، وتحقيق قدر من الاستقرار الأمني.

وتُظهر تقارير بريطانية تعود إلى تلك الفترة أن قوام قوة الحراسة بلغ نحو 468 فرداً خلال عامي 1963-1964، قبل أن يرتفع إلى 504 أفراد، بينهم 18 ضابطاً، مع موازنة تشغيلية قُدرت بـ173,824 ديناراً جنوب عربياً للعام المالي 1964-1965.

ومن أبرز الضوابط التي ميّزت تلك التجربة، منع أفراد القوة وكذا المسؤولين الحكوميين من الانخراط في أي أعمال تجارية أو مقاولات مرتبطة بالشركة النفطية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مسعى للحفاظ على النزاهة ومنع تضارب المصالح.

ورغم أن عمليات الاستكشاف آنذاك أظهرت مؤشرات واعدة لاحتياطيات نفطية كبيرة، إلا أن المتغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة، لا سيما عقب عام 1967، حالت دون استكمال مشاريع الإنتاج والتصدير.

اليوم، ومع تصاعد التحديات المرتبطة بقطاع النفط في حضرموت، تبرز هذه التجربة التاريخية كنموذج قابل للتأمل، خاصة فيما يتعلق بإشراك المجتمعات المحلية في الحماية، والفصل بين المهام الأمنية والمصالح الاقتصادية، بما يعزز من كفاءة الإدارة ويحافظ على الثروة الوطنية.

وتبقى المقارنة بين الأمس واليوم مفتوحة على تساؤلات أعمق حول جدوى النماذج المتبعة حالياً، ومدى الحاجة إلى مراجعة شاملة تواكب تعقيدات المرحلة وتستفيد من دروس الماضي.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish