مقالات الرأي

الوصاية الجائرة

بقلم: أنور الحوثري

في وطنٍ مثقلٍ بذاكرة البحر والملح، لا تأتي الوصاية كحادثٍ عابر، بل كفكرةٍ تتخفّى في هيئة “حكمةٍ أعلى”، وتطلب من الناس أن يخلعوا إرادتهم كما يُخلع ثوبٌ قديم. هنا، لا يُقاس الظلم بحدّته فقط، بل بقدرته على إقناع ضحاياه أنه قدرٌ لا يُرد، وأن منازعته ضربٌ من الجنون.
الوصيّ لا يبدأ بالسلب، بل يبدأ بالتعريف: يعيد تعريف الوطن، والثروة، والحق، حتى يصبح ما هو لكَ وكأنه مِنّةٌ منه عليك. وحين تكتمل الحيلة، لا تعود السرقة جريمة، بل تُسمّى إدارة، ولا يعود القهر قمعًا، بل يُقدَّم كحماية من الفوضى. وهكذا تتحول اللغة إلى شريكٍ خفيّ في الجريمة.
في جوهر المسألة، ليس الصراع على الأرض أو المال، بل على المعنى: من يملك تفسير الواقع يملك توجيه الناس. فإذا اقتنع الناس أن ضعفهم طبيعي، صار الاستبداد نظامًا أخلاقيًا، وإذا آمنوا أن التنازل نجاة، أصبح الخضوع فضيلة. وهنا يبلغ العبث ذروته: حين يدافع المقهور عن القيد لأنه يخشى الحرية.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن الوصاية لا تعيش بالقوة وحدها، بل بالتصدعات الصغيرة داخل المجتمع: خوفٌ متبادل، شكوكٌ متراكمة، وانقسامات تُغذّيها المصالح الضيقة. حين يتفرّق الناس، يصبح كل فردٍ جزيرةً خائفة، يسهل تطويعها. وحين يجتمعون على وعيٍ مشترك، تتحول السلطة نفسها إلى سؤال.
ليس التحرر حدثًا صاخبًا دائمًا، بل قد يبدأ بفكرةٍ صامتة: أن ما يُفرض عليك ليس بالضرورة حقًا، وأن ما سُلب منك يمكن استعادته أولًا في الوعي قبل الواقع. فالحرية لا تُمنح، بل تُكتشف، ولا تُفرض من الخارج، بل تنمو من الداخل كإدراكٍ بديهي بأن الإنسان لا يُختصر في طاعة.
وفي النهاية، ليست المأساة أن يوجد أوصياء، بل أن ينجحوا في إقناع الناس أنهم ضرورة. اللحظة الفاصلة ليست حين يسقط القيد عن اليد، بل حين يسقط عن العقل؛ فهناك فقط يبدأ التاريخ الحقيقي للشعوب، لا كأتباع، بل كصنّاع لمعناهم ومصيرهم.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish