مقالات الرأي

الانتهازية السياسية.. ومرونة الإنتقال من فكر إلى آخر في اليمن

بقلم: ا.د أحمد الشاعر باسردة

في المشهد السياسي اليمني تتكرر ظاهرة لافتة يصعب تجاهلها، وهي ظاهرة الشخصيات التي تتنقل بين المذاهب والأفكار السياسية بسهولة مدهشة، وكأنها لا تتعامل مع منظومات فكرية عميقة بقدر ما تتعامل مع خيارات عابرة قابلة للتبديل في أي لحظة. فالبعض يمكن أن يظهر اليوم مدافعًا شرسًا عن الاشتراكية أو القومية أو أي خطاب أيديولوجي معين، ثم لا يلبث أن ينتقل إلى النقيض تمامًا عندما تتغير الظروف أو تتبدل موازين القوة. هذا الانتقال لا يتم غالبًا عبر مراجعات فكرية حقيقية أو تطور طبيعي في الوعي السياسي، بل يحدث بطريقة مرنة إلى درجة تثير الدهشة، وكأن الأمر يتعلق باختيار فنجان قهوة أو تغيير مقعد في مجلس، لا بتحول فكري يفترض أن يكون عميقًا ومكلفًا على المستوى الأخلاقي.

علماء النفس السياسي عادة ما يفسرون هذه الظاهرة بمفاهيم مثل التكيف النفعي أو البراغماتية المفرطة، حيث يصبح الموقف السياسي مجرد أداة لتحقيق منفعة أو حماية موقع أو ضمان استمرار النفوذ. غير أن ما يحدث في بعض السياقات، ومنها الحالة اليمنية، يبدو أحيانًا أبعد من مجرد براغماتية سياسية. فالأمر يتحول إلى ما يشبه سيولة في القناعات، بحيث تفقد الأفكار معناها الأصلي وتصبح مجرد شعارات قابلة للاستخدام ثم الإلقاء جانبًا عند انتهاء الحاجة إليها. هنا لا يعود الانتماء الفكري تعبيرًا عن رؤية للعالم أو تصور لمستقبل المجتمع، بل يصبح بطاقة عبور إلى مساحة نفوذ أو وسيلة للتكيف مع التحولات السياسية.

في اليمن، حيث شهدت البلاد تحولات سياسية حادة منذ عقود، من أنظمة أيديولوجية إلى تحالفات متناقضة ثم إلى واقع سياسي شديد التعقيد، وجدت هذه الشخصية المتقلبة بيئة خصبة للنمو. فكل مرحلة سياسية تفتح أبوابًا جديدة لمن يجيدون تغيير مواقعهم بسرعة. الشخص الذي كان بالأمس يتحدث بلغة الثورة الاجتماعية قد يتحول اليوم إلى مدافع عن خطاب مختلف تمامًا، ليس نتيجة مراجعة فكرية موثقة أو تجربة نقدية صادقة، بل لأن الرياح السياسية تغيرت، ولأن مراكز النفوذ انتقلت من ضفة إلى أخرى. وفي مثل هذا المناخ يصبح الثبات على الموقف أحيانًا عبئًا، بينما يتحول التلون إلى مهارة سياسية يراها البعض ضرورية للبقاء.

هذه الظاهرة لا تقتصر على أفراد معزولين، بل يمكن ملاحظتها في مسارات شخصيات معروفة عبر مراحل مختلفة من التاريخ السياسي اليمني. فالساحة مليئة بالشواهد التي تظهر كيف انتقل بعض الفاعلين من خطاب أيديولوجي حاد إلى خطاب مضاد له تمامًا دون أن يرافق ذلك أي تفسير فكري مقنع. وغالبًا ما يحدث هذا التحول في اللحظة التي تتطلبها المصلحة الشخصية أو الحسابات السياسية الضيقة. المشكلة هنا لا تكمن فقط في تغيير المواقف، فالتطور الفكري حق طبيعي لأي إنسان، بل في الطريقة التي يتم بها هذا التغيير، حيث يجري أحيانًا ببرود شديد وكأنه لا يحمل أي تبعات أخلاقية أو فكرية.

من منظور نفسي واجتماعي، يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها انعكاسًا لضعف الثقافة المؤسسية في العمل السياسي. ففي الأنظمة السياسية التي تقوم على مؤسسات قوية وأحزاب ذات برامج واضحة، يصبح الانتقال بين المواقف الأيديولوجية عملية معقدة تتطلب تبريرًا علنيًا ومراجعة فكرية واضحة. أما في البيئات السياسية الهشة، حيث يغلب الطابع الشخصي على العمل العام، فإن الأيديولوجيا تتحول إلى مجرد غطاء رمزي يمكن تغييره بسهولة. وهنا تصبح السياسة أقرب إلى ساحة للمناورة الفردية منها إلى مجال للصراع الفكري حول مستقبل المجتمع.

لكن الأثر الأخطر لهذه الظاهرة لا يتعلق فقط بسمعة الشخصيات المتقلبة، بل بما تتركه من أثر على الوعي العام. فعندما يرى المجتمع أن المواقف السياسية يمكن تبديلها بهذه السهولة، تتراجع الثقة في الخطاب السياسي كله. وتصبح الكلمات الكبيرة مثل المبادئ والالتزام والبرنامج السياسي مجرد مفردات فاقدة للوزن، لأن الواقع العملي يثبت مرارًا أن هذه الشعارات يمكن التخلي عنها بمجرد تغير موازين القوة. وهكذا يتشكل نوع من الشك العام تجاه السياسة بوصفها مجالًا للمصالح الشخصية لا للمبادئ.

في النهاية، لا يمكن إنكار أن السياسة بطبيعتها مجال للتكيف والمراجعة والتغيير، لكن الفرق كبير بين المراجعة الفكرية الصادقة وبين التحول الانتهازي الذي تحركه المصلحة الذاتية. فالأولى تعني تطورًا في الرؤية وتراكمًا في الخبرة، بينما الثانية تعكس فراغًا فكريًا يجعل الموقف السياسي مجرد قناع قابل للتبديل. وفي سياق مثل اليمن، حيث تحتاج البلاد إلى قدر كبير من الصدق والوضوح في الخطاب السياسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، تبدو هذه الشخصية المتقلبة أحد العوائق غير المعلنة أمام تشكل حياة سياسية أكثر نضجًا واستقرارًا

* رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish