حكومة بلا برنامج.. وحرب بلا نهاية: من يدير مستقبل اليمن؟
بقلم: د. احمد بن إسحاق
العالم يدخل مرحلة ما بعد النفط، ونحن ما زلنا عالقين في مرحلة ما قبل الدولة.
فبينما تتحدث تقارير International Energy Agency عن أن الطلب العالمي على النفط سيبدأ تراجعه بشكل واضح بعد عام 2030، وتستعد الدول الكبرى لإعادة ترتيب أولوياتها في الطاقة والتجارة، يقف اليمن في مشهد مربك: حرب بلا أفق واضح، وحكومة بلا برنامج معلن، وموارد معطلة، ووقت يُستنزف بلا حساب.
لسنا أمام أزمة بسيطة، ولا ظرف اعتيادي أو مؤقت، بل أمام منعطف تاريخي.
فإذا استمر توقف تصدير النفط والغاز سنوات أخرى، فإننا لا نخسر إيرادات حالية فقط، بل نخسر فرصة زمنية قد لا تتكرر. العالم لن ينتظر حتى ننهي صراعاتنا، والأسواق لا تتعاطف مع المتأخرين. ومن يخرج متأخرا من الحرب قد يجد نفسه أمام ثروة بائرة في أسواقها.
لكن الأخطر من استمرار الحرب… هو غياب الرؤية.
أي حكومة تتشكل في لحظة كهذه دون إعلان خطة واضحة بالأهداف والأرقام والجدول الزمني ليست حكومة إنقاذ، بل إدارة يومية للأزمة.
كيف يمكن لحكومة أن تطلب ثقة الشعب وهي لم تعلن ماذا ستفعل لإعادة تصدير النفط والغاز؟ وماذا ستفعل إذا لم يعد التصدير؟ وكيف ستعيد تنظيم عقود البيع المجحفة السابقة؟ وكيف ستحمي الموانئ والمنافذ الحيوية؟ وكيف ستمنع تحويل الموارد مرة أخرى إلى تمويل لصراعات جديدة؟
ويفترض أيضا أن يُطرح سؤال الميزان التجاري بوضوح:
كيف تُدار دولة تتجاوز وارداتها عشرة مليارات دولار سنويا، يشكّل النفط قرابة نصفها، في وقتٍ تقف فيه الموارد النفطية والمصافي في حالة سبات؟
إذا كان النفط يمثل العمود الفقري للعملة الصعبة، فكيف نُبقيه معطلا ثم نتحدث عن استقرار سعر الصرف؟
أين خطة تقليص فجوة الاستيراد؟ وأين برنامج إحلال بدائل محلية ولو تدريجيا؟
وماذا عن خطط إنعاش السوق والإنتاج؟
كيف يُعقل الاكتفاء بقرارات شبه ارتجالية مثل توقيف استيراد سيارات الغاز، في حين يُحرق غاز الحقول النفطية في السماء يوميا بلا استثمار حقيقي؟
أليس الأولى استغلال هذا الغاز محليا، وتعديل اتفاقيات بيع الغاز المجحفة التي تباع بأقل من خُمس قيمتها في الأسواق العالمية، قبل التضييق على المواطن؟
وماذا عن استعادة مؤسسات الدولة نفسها؟
كيف يمكن الحديث عن استعادة المؤسسات وبناء جهاز إداري فاعل بينما أكثر من ثلثي الكادر أصبحوا متعاقدين بأجور لا تتجاوز دولارا واحدا في اليوم؟
كيف تُدار دولة بمؤسسات مُفرَّغة، وموظفين بلا استقرار، ورواتب لا تكفي للحد الأدنى من المعيشة؟ وهيئات رقابية ومجالس محلية وبرلمانية مجمدة؟
وكيف تُبرَّر في المقابل كشوفات الإعاشة الدولارية الضخمة لكبار المتنفذين؟
الغموض هنا ليس حيادا… بل استمرار للأزمة بأسلوب مختلف.
تشكيل حكومات بلا برامج مكتوبة وملزمة يعني ببساطة أن الدولة تُدار بالارتجال لا بالتخطيط. والدولة التي تعيش على الارتجال تبقى دائما متأخرة خطوة عن العالم.
اليمن لا تنقصه الموارد، بل تنقصه الإدارة.
يمتلك موقعا يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر باب المندب، وسواحل طويلة وثروة سمكية هائلة، وطاقة شمسية من الأعلى في المنطقة، وأراضي زراعية متنوعة، ومعادن غير مستكشفة، ومواقع سياحية فريدة مثل جزيرة سقطرى، ومدنا تاريخية كـ صنعاء القديمة وشبام حضرموت.
كلها فرص معطلة لا تحتاج معجزة، بل تحتاج قرارا وبرنامجا.
بل إن التفكير يجب ألا يتوقف عند الموارد التقليدية، بل أن يتجه إلى مشاريع عملاقة غير تقليدية تعيد تعريف موقع اليمن في الاقتصاد الإقليمي؛ كتحويل عدن إلى منطقة حرة كبرى مرتبطة بجسر بري بقارة أفريقيا عبر ميون وجيبوتي، لتصبح بوابة تجارة بين آسيا وأفريقيا، لا مجرد ميناء ينتظر السفن.
أخطر ما قد يحدث ليس استمرار الحرب،
بل أن تنتهي الحرب دون أن تتغير طريقة التفكير.
لم يعد مقبولا أن تُدار أخطر مرحلة في تاريخ اليمن بعبارات عامة ووعود مفتوحة. المطلوب اليوم ليس مجرد تشكيل حكومة تحيّد عمرو وترضي زيد، بل إعلان برنامج شامل واضح ومفصل يحدد: ما الذي سيُنفذ؟ وخلال كم من الوقت؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ وكيف ستتم المحاسبة؟
فالمعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل معركة إدارة وقرار ومحاسبة.
الشعوب التي لا تسأل عن خطط حكوماتها… تدفع ثمن غيابها من مستقبل أبنائها.
اليمن لا يحتاج حكومة جديدة…
بل يحتاج مساءلة جديدة.


