جنوب بين خيبة الأمل ..وسقوط الأقنعة: قراءة غاضبة في واقع سياسي مأزوم

بقلم: ا.د. احمد الشاعر باسردة
لم تكن زيارتي الفاشلة إلى الشرق الأوسط مجرد محطة عابرة في جدول تنقّل، بل كانت صدمة سياسية ومعنوية كشفت حجم الوهم الذي حاول البعض تسويقه عن مرحلة “انتقالية” تحمل في طياتها حلولًا أو بوادر إنصاف لشعب الجنوب. دخلت تلك الزيارة وأنا أحمل قدرًا من التفاؤل، مستندًا إلى ما كان يجري في عدن والجنوب من حراك سياسي وأمني، ومراهنًا – ولو جزئيًا – على أن الأحداث المتسارعة قد تفتح نافذة أمل حقيقية في اتجاه تحقيق تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته المستقلة ذات السيادة. لكن ما حدث لاحقًا لم يكن سوى انقلاب كامل على تلك التوقعات، وانزلاق مخيف نحو إعادة إنتاج نفس الفشل، ولكن بصيغ أكثر وقاحة واستهانة بإرادة الناس.
اليوم، يقف الجنوبيون أمام مشهد سياسي عبثي، تُدار فيه الدولة بعقلية الوصاية، وتُختزل فيه القضايا الوطنية الكبرى في صفقات وتسويات مؤقتة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يمكن لشعب الجنوب أن ينتظر من دولة يقودها رشاد العليمي، ومن حكومة يُفترض أن يكون على رأسها رئيس وزراء جنوبي، اسمه الزنداني شايع ،لكنه يبدو غارقًا في همومه الذاتية، منشغلًا بتثبيت موقعه الشخصي أكثر من انشغاله بإنقاذ وطن يتآكل؟ على ملامحه تقرأ القلق الفردي لا المسؤولية العامة، وتلمس الحرص على الكرسي لا الحرص على الجنوب، وكأن الوطن بالنسبة له ملف مؤجل، أو عبء سياسي يفضّل تأجيله حتى إشعار آخر.
في الجنوب، لم نعد ننتظر من هذه الحكومة أي معجزة، بل لم نعد ننتظر منها حتى الحد الأدنى. الإخفاق بات هو القاعدة، والفشل تحوّل إلى سياسة ممنهجة. وربما نصل قريبًا إلى مرحلة الترحّم على حكومات سابقة، بكل ما فيها من فساد وسوء إدارة، قياسًا بما يُحضّر لهذه الحكومة من رفض شعبي جنوبي واسع. نعم، قد تتحسن خدمة الكهرباء لفترة محدودة، وقد تُصرف الرواتب في موعدها، وقد تُرمم بعض الطرق، وقد تُغرقنا وسائل الإعلام بسيل من الصور والشعارات، وقد نشاهد استفزازات رخيصة – كرفع صور معمّر الإرياني الوزير الذي لا يعرف من الإعلام إلا اسمه على اكثر تقدير ، في ساحات الجنوب – في محاولات بائسة لاختبار صبر الناس، لكن كل ذلك لا يعدو كونه مسكنات مؤقتة لا تعالج المرض الحقيقي.
المشكلة ليست في الكهرباء ولا في الرواتب، بل في غياب المشروع. المشكلة في دولة بلا بوصلة، وحكومة بلا رؤية، ونخب سياسية تعيش حالة إنكار مرضي للواقع. لا توجد حلول جذرية، ولن توجد، طالما يتم الهروب من مواجهة أصل الأزمة. فالقضية الجنوبية ليست ملف خدمات، ولا بندًا ثانويًا في مفاوضات عبثية، بل قضية شعب وهوية وحق تاريخي لا يسقط بالتقادم.
إن أي حديث عن استقرار أو سلام أو دولة حديثة في اليمن سيظل محض وهم، ما لم تجلس صنعاء وعدن على طاولة حوار حقيقي، مباشر، شجاع، ودون وسطاء. حوار لا يدار بعقلية الغلبة ولا بمنطق فرض الأمر الواقع، بل ينطلق من الاعتراف الصريح بفشل تجربة الوحدة، وبضرورة فك الارتباط، وإعادة بناء العلاقة – إن كُتب لها أن تُبنى – على أسس جديدة وعادلة. هذه الوحدة، بصيغتها الحالية، لم تقتل الجنوب وحده، بل قتلت اليمنيين جميعًا، وأعاقت تطورهم، وأدخلتهم في دوامة صراعات لا تنتهي، وفتحت أبواب البلاد أمام التدخلات الخارجية التي لم تأتِ يومًا حبًا في اليمن، بل خدمة لمصالح آنية وحسابات استراتيجية عابرة
لقد تحولت اليمن، بسبب هذا الإصرار الأعمى على وحدة فاشلة، إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، يدفع ثمنه المواطن البسيط، بينما تتقاسم القوى المتصارعة النفوذ والخراب. وفي قلب هذا المشهد المأساوي، ظل الجنوب الحلقة الأضعف في الحسابات السياسية، رغم كونه الأكثر وضوحًا في موقفه، والأكثر تماسكًا في مطالبه.
ومع ذلك، فإن من يراهن على كسر إرادة شعب الجنوب، أو إنهاكه، أو دفعه إلى القبول بالأمر الواقع، يقرأ التاريخ قراءة مشوهة. هذا الشعب قاوم الاستعمار البريطاني وانتصر، وقاوم نظام عفاش في مرحلته الأولى، ثم واجه تحالف عفاش والحوثي في مرحلته الثانية، وخرج من تلك المعارك مرفوع الرأس. لم يكن النصر سهلًا، ولم يكن الثمن بسيطًا، لكن النتيجة كانت دائمًا واحدة: الجنوب لا يُهزم. ومن هذا المنطلق، فإن مصير شعب الجنوب هو الانتصار في المراحل القادمة، مهما طال الزمن، ومهما تبدلت الوجوه والتحالفات.
اليوم، المطلوب ليس بيانات إنشائية، ولا وعود دبلوماسية فارغة، ولا إعادة تدوير لنفس الخطاب الفاشل. المطلوب ثورة فكرية حقيقية في عمق الاستراتيجية الشمالية والإقليمية تجاه الجنوب. المطلوب الاعتراف الصريح بحقوق شعب الجنوب، ورفع المظالم التاريخية عنه، والكف عن التعامل مع قضيته كملف قابل للمساومة أو التأجيل. فالتجاهل لم يعد خيارًا، والترقيع لم يعد ممكنًا.
وأخيرًا، لا بد من قول الحقيقة دون خوف أو مواربة: إن ما يُسمّى بالجنوبيين في هذه الحكومة، أو “الجنوبيين الجدد”، قد خسروا احترامهم في الشارع الجنوبي على امتداد ساحته. سقطت الأقنعة، وتبددت الأوهام، وطُويت صفحة الثقة إلى غير رجعة. لم يعودوا يمثلون الجنوب، ولا يعبرون عن تطلعاته، بل باتوا جزءًا من المشكلة، لا جزءًا من الحل. والجنوب، كما كان دائمًا، سيشق طريقه بنفسه، مستندًا إلى إرادة شعبه، وإلى تاريخ طويل من المقاومة، نحو استعادة دولته وقراره وسيادته، مهما حاول الآخرون عرقلة هذا المسار أو الالتفاف عليه
ا.د. احمد الشاعر باسردة *
رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering



