أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

تحليل سياسي لكلمة الرئيس الزُبيدي: تثبيت الشرعية الشعبية وإدارة مرحلة ما بعد المليونية

خاص ـ حضرموت نيوز

أكد رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس بن قاسم الزُبيدي، أن المليونية الجماهيرية الحاشدة التي شهدتها العاصمة عدن تمثل لحظة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، وتجسيدًا حيًا لإرادة شعب الجنوب الحرة، التي أثبتت للعالم أنها مصدر الشرعية الحقيقية، وأن صوت الشعب الجنوبي لم يعد ممكنًا تجاهله أو القفز عليه بعد اليوم.

وقال الزُبيدي في منشور في صفحته الرسمية في الفيسبوك، إن خروج جماهير شعب الجنوب بالملايين جاء ليعبّر بوضوح ودون مواربة عن موقف سياسي ثابت، وليبعث برسالة قاطعة مفادها أن شعب الجنوب هو صاحب الحق الشرعي في تقرير مصيره، وأن إرادته الشعبية هي الأساس الذي تُبنى عليه أي مسارات أو حلول سياسية قادمة.

وأوضح أن هذه المليونية لم تكن مجرد حشد جماهيري، بل رسالة سياسية حاسمة تؤكد تمسك شعب الجنوب بالبيان السياسي والإعلان الدستوري بوصفهما مسارًا وطنيًا جامعًا، يعكس تطلعات الجنوبيين المشروعة في استعادة دولتهم وبناء مستقبل يليق بحجم التضحيات الجسيمة التي قدمها الشهداء والمناضلون على مدى سنوات طويلة من النضال.

وأشار الزُبيدي إلى أن الجنوب دخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها الثبات ووحدة الصف، وفرض الإرادة الشعبية على طاولة الإقليم والعالم، مؤكدًا أن هذه المرحلة تتطلب تماسكًا وطنيًا عاليًا، ووعيًا سياسيًا جماعيًا، لمواجهة أي محاولات تهدف إلى فرض حلول تنتقص من الحقوق أو تفرض واقعًا سياسيًا مرفوضًا.

وشدد على أن شعب الجنوب لن يقبل بعد اليوم بأي تسويات أو مسارات سياسية تتجاوز إرادته الحرة أو تصادر حقه المشروع في استعادة دولته، مؤكدًا أن أي حلول لا تنطلق من هذا التفويض الشعبي الواسع ستكون مرفوضة شكلًا ومضمونًا.

وجدد الزُبيدي العهد بالوفاء لدماء الشهداء وتضحيات الأبطال، مؤكدًا أن قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي ستظل أمينة لهذا الإرث النضالي، وستواصل السير بثبات مع شعبها حتى تحقيق الهدف الوطني المنشود، مشددًا على أن الانتصار يتحقق بعزيمة الجماهير، وتصان منجزاته بوحدة الصف، وتُبنى الدولة القادمة بإرادة شعب الجنوب الحرة.

وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب ترجمة هذا الزخم الشعبي إلى قوة سياسية منظمة، قادرة على حماية المكتسبات الوطنية، وفرض حضور الجنوب كفاعل رئيسي في المعادلات الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي يتحرك بتفويض شعبي واضح، ويستمد قوته من الالتفاف الجماهيري حول مشروعه الوطني.

واختتم الزُبيدي بالتأكيد على أن الجنوب ماضٍ في قضيته بثبات وصمود، وأن إرادة شعبه لن تُهزم ولن تُختطف، وأن الدولة الجنوبية القادمة ستُكتب بتضحيات أبنائها وتصان بوحدتهم، مهما تعاظمت التحديات وتكاثفت الضغوط.

في تحليل مضمون كلمة الزُبيدي، يمكن قراءة الخطاب بوصفه رسالة سياسية متعددة المستويات، صيغت بعناية لتعكس لحظة انتقالية في مسار القضية الجنوبية، وتؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي الداخلي والإقليمي والدولي مع واقع الجنوب.

أولًا، على مستوى الشرعية السياسية، ركّزت الكلمة بشكل واضح على إعادة تعريف مفهوم الشرعية، حيث نقلها من الإطار الإجرائي التقليدي إلى الإطار الشعبي المباشر. الزُبيدي لم يتحدث بصفته رئيس مجلس فقط، بل بصفته معبرًا عن تفويض جماهيري واسع، مستندًا إلى المليونية بوصفها “فعل شرعية” لا مجرد تأييد رمزي. هذا الطرح يهدف إلى تحصين القيادة الجنوبية سياسيًا أمام أي محاولات إقصاء أو تجاوز أو فرض بدائل لا تحظى بقبول الشارع.

ثانيًا، في البعد الداخلي الجنوبي، حملت الكلمة رسائل تطمين ووحدة صف في آن واحد. فقد شدد الزُبيدي على أن المرحلة الجديدة عنوانها الثبات ووحدة الصف، وهو إدراك واضح لحساسية اللحظة، ومحاولة استباق أي تصدعات داخلية قد تُستثمر سياسيًا. كما أن ربطه المستمر بين الإرادة الشعبية والهدف الوطني يعكس حرصًا على إبقاء القضية الجنوبية في إطارها الجامع، لا كملف نخبة أو سلطة.

ثالثًا، على مستوى الإقليم والمجتمع الدولي، جاءت اللغة محسوبة وغير صدامية، لكنها حازمة. الخطاب لم يتضمن تهديدًا أو تصعيدًا مباشرًا، بل قدّم الجنوب كطرف منظم، يمتلك مشروعًا سياسيًا واضحًا، ويطالب بأن يُنظر إليه بوصفه فاعلًا لا تابعًا. التأكيد على فرض الإرادة الشعبية “على طاولة الإقليم والعالم” يعكس انتقال الخطاب من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة المطالبة بالشراكة والاعتراف.

رابعًا، من الناحية الاستراتيجية، تحمل الكلمة مؤشرًا على أن المجلس الانتقالي يسعى لتحويل الزخم الجماهيري إلى قوة تفاوضية سياسية، لا إلى مجرد حالة احتجاجية. حديث الزُبيدي عن ترجمة هذا الزخم إلى قوة سياسية منظمة يكشف إدراكًا لأهمية الانتقال من الشارع إلى المؤسسات، ومن التعبئة إلى إدارة الصراع السياسي بأدوات أكثر نضجًا.

خامسًا، في البعد الرمزي والنضالي، حافظ الخطاب على ربط الحاضر بتضحيات الماضي، من خلال التأكيد على الوفاء لدماء الشهداء، وهو عنصر أساسي في الخطاب الجنوبي، يعزز الاستمرارية الأخلاقية للنضال، ويمنح القيادة شرعية وجدانية إلى جانب الشرعية السياسية.

خلاصة القول، إن كلمة الزُبيدي لم تكن خطاب تعبئة عاطفية فقط، بل خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة، يعيد ترتيب العلاقة بين القيادة والشارع، ويبعث برسائل مدروسة للخصوم والحلفاء في آن واحد. وهي كلمة تعكس انتقال القضية الجنوبية من مرحلة الدفاع عن الحق إلى مرحلة فرضه كمعادلة سياسية قائمة، مع إدراك واضح لحجم التحديات، ومحاولة تقديم الجنوب كقضية شعب منظم لا كحالة فوضى أو صراع هامشي.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish