مقالات الرأي

خطوة نحو استراتيجية الخلاص. مقاربة في الأزمة اليمنية (1)

بقلم: أ. عبدالستار الشميري

الشرعية في اليمن لا تعيش أزمة سلطة، بل أزمة معنى، أزمة دولة فقدت قدرتها على تعريف نفسها، وأزمة مجتمع لم يعد يعرف: هل ما يراه صراعًا سياسيًا أم تفككًا وجوديًا؟

ما يجري ليس مجرد اشتباك بين «شرعية» ومجلس انتقالي، ولا هو خلاف إداري على محافظات أو عوائد أو نفوذ، بل هو انفجار متأخر لعقد اجتماعي لم يكتمل يومًا.

كما لو أن اليمن كان يسير وهو يحمل صدعًا عميقًا تحت قدميه، فكل حرب، وكل تمرد، وكل اشتباك، لم يكن سوى اهتزاز جديد في هذا الصدع.

الشرعية تحولت من فكرة إلى عبء. لم تصل إلى هذا التفكك لأنها هُزمت عسكريًا من الحوثي، بل لأنها تهزم نفسها بنفسها. الحوثي فقط يعلن نصرًا لم يقم به في كل مرة.

الشرعية تآكلت رمزيًا، وتحولت خلال عشر سنوات من مشروع إنقاذ وطني إلى إطار إداري هش، يتنازع داخله الحلفاء أكثر مما يقاتلون الخصوم.

ماذا عن شرعية اليوم؟

عندما دخلت الشرعية في اشتباك مفتوح مع أحد مكوناتها، المجلس الانتقالي الجنوبي، لم يكن ذلك حدثًا عارضًا، بل اعترافًا ضمنيًا بأن التحالف الذي وُلد مضطرًا قد تآكل هو أيضًا من الداخل.

كيف يمكن فهم المدى البعيد لهذه المواجهة؟

المواجهة في حضرموت، ثم التظاهرة في عدن، أهم حدثين فيما حصل كله، وهما ليسا مجرد انكشاف لمسرح الصراع وحجم الأوزان فقط، بل مرآتان كاشفتان لأسئلة المستقبل وإمكانات غلق التوتر أو فتحه بطرق أخرى.

في حضرموت، ظهر سؤال الثروة والهوية والسيادة المحلية والتنوع والاختلاف.

وفي عدن، ظهر سؤال من يستطيع أن يحكم الجنوب، ولماذا، وبأي شرعية؟

لا يستطيع أحد أن يحسم إجابة.

وليست سردية الشرعية ولا سردية الانتقالي متماسكة أو قادرة على إقناع الناس جنوبًا كي يمضوا معها راضين بمحض إرادتهم. وعندما يعجز أي نظام، أو أي سلطة، أو أي حكم، عن تفسير نفسه للناس وإقناعهم بذلك، يبدأ الناس بتفسيرات مختلفة ومقاربات متعددة.

أين يبدأ الحل؟ وكيف يبدأ الحل في الجنوب؟

فهم لغز الجنوب هو البداية في حل مشكلته.

الجنوب ليس كتلة واحدة، هذا صحيح، لكنه متفق على نصف أهدافه أو أكثر من ذلك في كتلِه المختلفة.

في معظم محافظات الجنوب، هناك شبه إجماع على القضايا الأولى التي طرحها الحراك الجنوبي قبل الانتقالي، باستثناء حضرموت التي تبدو مرفأً سياسيًا، وعقلها مفتوح على العالم وعلى جوارها، لكنها لا تخفي انفتاحها على رؤية الحراك سابقًا والانتقالي بعد ذلك، لكنها تتعاطى معها بشروط حضرمية صرفة.

حضرموت كيان كبير، واسع، ثري، هادئ، شديد الحساسية تجاه الهيمنة، وهذه حقيقة مستقرة.

أما أبين، شبوة، المهرة، فهي هوامش ظُلمت كثيرًا تاريخيًا، وتستطيع أن تذهب إلى أي طريق يعطيها الحد المعقول من الحقوق.

بمعنى آخر، تستطيع التعاطي مع مشروع الانتقالي، ومع مشروع الحراك قبله، ومع مشروع الشرعية الذي تنخرط فيه في هذه اللحظة. فشروط هذه المحافظات ليست قطعية كحضرموت، وليست حدية كالمثلث (عدن – لحج – الضالع).

وهذا ديدن الهامش في كل بلد.

ولأن المثلث كان مخزون القوة الصلبة تاريخيًا، فإن وقائع اليوم أعطت محافظات أخرى مخزون الثروة (شبوة، حضرموت)، وهذا بحد ذاته يجعل التقاء القوتين جنوبًا يحتاج إلى صياغة عقد خاص داخل إطار الجنوب ذاته.

ويضع سؤالًا مهمًا: هل ذلك ممكن؟ وكيفية هندسته، إذا أراد الجنوب صياغة سرديته الخاصة، تحت مسمى فيدرالي أو كونفدرالي أو غيره مما يطرحه البعض كتقرير المصير والاستفتاء وغيره.

ومع ضرورة الاستماع إلى كل رأي يُطرح وعدم حجره، يجب وضع أسئلة الإمكانية أيضًا، ومناقشتها بجدية وواقعية.

ماذا عن المجلس الانتقالي في هذه المعادلة؟

المجلس الانتقالي ورث رصيد الحراك الجنوبي. وقد يقول قائل: اختطف رصيد الحراك. وأيًا كان المصطلح، ورث أم اختطف، صحيحًا، فقد نجح في تمثيل غضب جنوبي حقيقي، لكنه لم ينجح في تمثيل تنوع الجنوب نفسه.

ذلك أن العقل السياسي في الانتقالي ليس عقلًا راكزًا، ولا يوازي حجم الامتداد الشعبي وتاريخه وتنوعه. وكل قضية لها جسم كبير، وليس لها عقل بذات الحجم، تقفز إلى منحدرات زلقة.

في المقابل، الشرعية فشلت لأنها تعاملت مع الجنوب كملف أمني، لا كقضية تاريخية.

ماذا عن الشمال؟

المجتمع في الشمال خارج ذلك كله، وهو مشطور بين الحوثية والشرعية، وكلاهما يريد الوحدة بالطريقة نفسها. يختلفون على كل شيء، ويتفقون على وحدة يرونها مقدسة مهما كان شكل فرضها. لا يعملون من أجلها بخيارات التفاهمات والمعالجات، وإنما بنفس اللغة القديمة: الوحدة أو الموت.

وهنا يكمن أصل المأساة. كل طرف يرى الجغرافيا غنيمة، ولا يراها وطنًا.

أليس هذا الحديث فيه تعميم؟

قد يكون ذلك تعميمًا، لكن هناك، لا شك، طبقة نخبوية عاقلة شمالًا وجنوبًا تعي أن هذا الشطط لا يجدي على المدى البعيد في معالجة هذا الملف وفي كل ملفات اليمن. لكنها الغائب الأكبر عن الطاولة وعن الفعل في كل هذا الصراع.

وهنا يحضر سؤال المليون: لماذا لا يتكلم هؤلاء باسم الناس شمالًا وجنوبًا؟

الجواب: لأن هؤلاء العقلاء مرهقون، مُفقرون، ومجردون من كل أدوات الفعل، ومحارَبون من كل الأطراف، وغير مرضيين إقليميًا، ويتهمهم الجميع بأنهم يغردون خارج السرب.

في بعض بلدان العالم، أنتجت الحرب الطويلة وعيًا، وتم البحث عن هؤلاء العقلاء كي يكونوا طوق نجاة. لكن حتى الآن لم يتم ذلك في اليمن، وهذا أخطر ما في المشهد.

لكنه ليس الخطر الوحيد، ذلك أن السياسة في اليمن قد أُدخلت الثلاجة لأمد بعيد جدًا، وما يجري ليس صراع نخب سياسية إطلاقًا، فقد تحول إلى صراع كيانات مسلحة فوق جثث صامتة، هو شعب بأكمله.

فحين يغيب هؤلاء العقلاء، تأتي الحلول السطحية، أو تتوغل حلول القوة. وفي كلا الحالتين، القوة والسطحية تدفعان باتجاه التعامل مع أزمتنا الحقيقية على غير كينونتها.

ما جوهر أزمتنا اختصارًا إذًا؟

والجواب، بالإضافة إلى كل ما سبق، أن الأزمة اليمنية ليست واحدة، بل مجموعة أزمات مركبة، أهمها:

أولًا: أزمة دولة فشلت في بناء مركز جامع.
ثانيًا: أزمة هوية بين شمال وجنوب لم تُحل جذريًا.
ثالثًا: أزمة نخب أعادت إنتاج نفسها، وبعضها أصبح له سلاح وجغرافيا بلا مساءلة.
رابعًا: أزمة تدخلات خارجية حوّلت اليمن إلى ساحة اختصام أكثر منه ساحة انتصار لدولة.

لهذا، أي حل يتجاهل أحد هذه الأزمات سيكون مجرد هدنة مؤقتة.

ما هي استراتيجية الخلاص؟

أولًا: الحلول الواقعية، لا حلول القوة ولا الرومانسية أيضًا، فكلاهما سيفشل.

ثانيًا: الاعتراف لا الإنكار، الاعتراف بأن الشرعية بصيغتها الحالية غير قادرة على الاستمرار.

ثالثًا: الجنوب ليس تابعًا، ولا يمكن حكمه من خارجه. الوحدة القسرية أخطر من الانفصال المنظم، وبينهما سنجد خيارات وطرقًا تصغي إلى إرادة الشارع وتستخدم تقنيات الديمقراطية.

رابعًا: إعادة تعريف الشرعية. يجب أن يُعاد بناؤها في إطار انتقالي تشاركي، يخضع لرقابة داخلية حقيقية، ويفسح عمل الأحزاب غير المسلحة.

خامسًا: البحث عن صيغ سياسية مرنة، أو كونفدرالية، وذلك ليس خيانة للوحدة، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من الدولة، فالدولة التي تعاند جغرافيتها تسقط.

سادسًا: سرعة إخراج الأحزاب التي تُهمش الآن، وهي الاشتراكي والناصري والمؤتمر، من موقع المتفرج إلى موقع تشارك الحلول والرؤية، وإشراك النخب الاجتماعية.

وأخيرًا، يجب قراءة ما حدث في حضرموت من مواجهات، وما حدث في عدن من تظاهرات، بوصفها مؤشرات لا أحداثًا فقط، وأنها ليست نهاية بل موجة قد تعود بأشكال مختلفة وطرق متعددة بعد سنوات، بصور سلمية أو عنيفة.

ومن المؤكد، أولًا وأخيرًا، أن نضج الرؤية واستيعاب كل ما ذُكر سابقًا وغيره، وكذلك طرق وطرائق التعامل، هو ما سيحدد هل نحن في اتجاه تحويل الصراع إلى عقد جديد عادل، أم إلى صراعات مؤجلة ممتدة وجغرافيًا متعددة.

وفي الحلقة الثانية قد نضع خطوة أخرى، وهناك مزيد.

وعلى من يستطيع أن يسهم ببعض خطوات أخرى، فليفعل.

 

* نقلا عن موقع الرصيف برس.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish