مقالات الرأي

المواقف الرمادية ووحدة القرار السيادي

بقلم: د. احمد بن اسحاق

في الدول الخارجة من صراع طويل، والتي أُنيطت إدارتها بمرحلة استثنائية تقودها قيادة جماعية تشكّلت تحت ضغط الواقع أكثر مما تشكّلت وفق انسجام الرؤية، لا يكون تعدد الأصوات هو التحدي الحقيقي، بقدر ما يكون وضوح الموقف الصادر من داخل دائرة القرار.

فحين تُدار الدولة عبر مجلس قيادي انتقالي متعدد المرجعيات، يصبح الخطاب السياسي الصادر عن أعضائه مؤشرًا بالغ الدلالة على سلامة القرار السيادي أو هشاشته.

وهي إشكالية سبق نبهنا إلى مخاطرها مبكرًا، في مقالنا المنشور بصحيفة “عدن الغد” في أبريل 2022 تحت عنوان: «مآل غياب توافق المجلس الرئاسي»، حيث جرى التحذير من أن غموض المواقف داخل القيادة الجماعية قد يتحول مع الوقت إلى عبء سيادي لا مجرد تباين سياسي.

في مثل هذه السياقات، لا يكون الخطر الأكبر في اختلاف الآراء، بل في غموض المواقف داخل أعلى هرم السلطة. فالدولة يمكنها أن تحتمل اختلافًا معلنًا، لكنها نادرًا ما تنجو من مواقف رمادية تصدر عمّن يُفترض أنهم حراس الاتجاه لا مراقبوه.

الموقف الرمادي ليس حيادًا، بل حالة وسطية بين الالتزام والانسحاب، بين القرار والتنصل منه. وهو في الظاهر لغة تهدئة وتوازن، لكنه في العمق تعبير عن مأزق في تحديد الأولويات أو عن خشية من حسم الخيارات. وحين يتحول هذا السلوك إلى نمط داخل القيادة، تبدأ وحدة القرار السيادي بالتآكل، لا دفعة واحدة، بل تدريجيًا وبهدوء مقلق.

تقوم السيادة، في معناها العملي، على وضوح الإرادة السياسية، وتماسك الخطاب، وقدرة الدولة على أن تقول “نعم” أو “لا” دون أن تحتاج إلى شروح متناقضة أو رسائل مزدوجة. وعندما تصدر تصريحات قابلة للتأويل من مراكز عليا، فإن ذلك يفتح الباب أمام قراءات متعارضة: قراءة داخلية تربك المؤسسات، وقراءة خارجية تستثمر هذا الارتباك لصالحها.

تكمن خطورة المواقف الرمادية في أنها تُنتج واقعًا بلا مسؤولية واضحة. فالقرار حين لا يُعلن بوضوح، لا يمكن الدفاع عنه بوضوح، ولا محاسبة أحد على نتائجه. وهنا تنتقل الدولة من منطق “القرار السيادي” إلى منطق “إدارة التوازنات”، حيث يصبح الهدف هو تفادي الخسارة السياسية لا حماية المصلحة العامة.

كما أن الخطاب الرمادي يضعف الموقف التفاوضي للدولة. فالطرف الخارجي لا يتعامل مع النوايا الحسنة، بل مع المواقف المحددة. وحين يلمس ترددًا أو ازدواجية في الرسائل، فإنه يفترض ـ بحق أو بغير حق ـ أن القرار قابل للمساومة، أو أن الالتزام به ليس نهائيًا. وهكذا تتحول السيادة من ممارسة فعلية إلى ورقة تفاوض.

وفي الداخل، لا يقل الأثر خطورة. إذ يفقد الرأي العام ثقته في جدية الدولة، وتتراجع هيبة القرار، ويترسخ الشعور بأن ما يُقال اليوم قد يُنفى غدًا، وأن الخطاب السياسي لم يعد مرآة للاتجاه العام، بل أداة لامتصاص اللحظة. ومع الوقت، تُستبدل الأسئلة الوطنية الكبرى بحسابات آنية، ويصبح الصمت أو الالتفاف أداة حكم.

لا يعني هذا أن السياسة تحتاج دائمًا إلى خطاب صدامي أو مواقف حادة، لكن الفرق كبير بين الحكمة والغموض، وبين المرونة وفقدان الاتجاه. فالدولة التي لا تُحسن التمييز بينهما، تجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام قرار لم تعد قادرة على اتخاذه، حتى لو أرادت.
وخلاصة القول يمكن أن نقول إن المواقف الرمادية قد تحمي الأفراد في المدى القصير، لكنها تُضعف الدولة في المدى البعيد. ووحدة القرار السيادي لا تُبنى على الصياغات الملتبسة، بل على وضوح الإرادة، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. فالدول لا تفقد سيادتها فقط حين تُهزم، بل أحيانًا حين تتردد طويلًا في إعلان ما تريد.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish