ثقافة

أثنوغرافية حضرموت… توثيق علمي لذاكرة المجتمع وتراثه الحي

علوي بن سميط – حضرموت نيوز

في محاولة علمية جادة لحفظ الذاكرة الشعبية وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية في واحدة من أعرق مناطق الجزيرة العربية، يبرز كتاب “أثنوغرافية حضرموت” كأحد أهم الأعمال التي تناولت البنية الثقافية والاجتماعية لمجتمعات وادي حضرموت، مسلطًا الضوء على العادات والتقاليد التي شكلت هوية الإنسان الحضرمي عبر الأجيال.

الكتاب، الذي ألّفه عالم الإثنوغرافيا الروسي ميخائيل رودينوف، جاء ثمرة عمل ميداني استمر بين عامي 1983 و1991 ضمن بعثات علمية وآثارية في حضرموت ومناطق أخرى، قبل أن يصدر باللغة الروسية عام 1992. لاحقًا، تولى المؤرخ والأكاديمي علي صالح الخلاقي ترجمته وتعريبه، ليصدر عن جامعة عدن عام 2002 بعنوان “عادات وتقاليد حضرموت الغربية”، في صياغة أقرب إلى فهم القارئ العربي.

ويشير الخلاقي إلى أنه استبدل مصطلح “أثنوغرافية” بمفهوم “العادات والتقاليد” لتقريب المعنى، موضحًا أن الإثنوغرافيا في الأدبيات الروسية تُعنى بدراسة الثقافة الشعبية المادية وأنماط الحياة اليومية.

توثيق شامل لحياة وادي حضرموت

يمثل الكتاب دراسة موسوعية غاصت في تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية لمناطق غرب حضرموت، شملت الكسر، حورة، وادي العين، عمد، ودوعن، إضافة إلى القرى والوديان التابعة لها. وقد وثّق المؤلف أنماط العيش التقليدية التي ظلّت حاضرة حتى زمن الدراسة، من الزراعة والري وزراعة النخيل، إلى تربية المواشي والنحل.

كما تناول الصناعات الحرفية مثل النجارة والحدادة وصياغة الفضة والفخار ودباغة الجلود والنسيج، إلى جانب المهن التقليدية، والطب الشعبي، والأزياء، والعادات المرتبطة بالزواج وطقوسه، فضلًا عن الفنون الشعبية والأشعار والأمثال والحِكم التي تعكس عمق الموروث الثقافي.

ويلاحظ القارئ أن كثيرًا من هذه العادات لا تزال مشتركة بين مختلف مناطق حضرموت، مثل القطن، شبام، سيئون وتريم، مع اختلافات طفيفة فرضها عامل الزمن والتوسع العمراني، دون أن تمس جوهر هذه التقاليد وأصولها.

تحذير مبكر من اندثار التراث

في تمهيده للكتاب، يؤكد رودينوف أنه سعى إلى “رسم صورة تفصيلية لثقافة تضرب بجذورها في الماضي البعيد، ولا تزال حية حتى اليوم”، محذرًا من أن هذه الثقافة تشهد تغيرًا متسارعًا، ما يستدعي ضرورة الحفاظ عليها من الضياع.

ويقع الكتاب في 314 صفحة، مدعّمًا بصور فوتوغرافية ورسومات توثيقية رُصدت بدقة، ما يمنحه قيمة إضافية كمصدر بصري وتاريخي يوثق ملامح الحياة في وديان حضرموت وريفها وحواضرها.

إضافة نوعية للمكتبة العربية

يمثل الإصدار، بترجمته العربية، إضافة مهمة للمكتبة العربية، إذ يقدم لأول مرة دراسة متكاملة عن عادات وتقاليد جزء مهم من حضرموت، موثقًا حياة مجتمع ظل متمسكًا بإرثه الثقافي رغم التحولات، ومؤكدًا أن الحفاظ على هذا التراث مسؤولية جماعية في وجه التغيرات المتسارعة.

صورة من شبام… لقطة تختصر الزمن

نطوي صفحات الكتاب، ونضعه جانبا، للتفرغ في محاولة تدوير زاويا صورة تاريخية، التُقطت في مدينة شبام مطلع خمسينيات القرن العشرين بعدسة المصور النيوزيلندي براين بارك، هذا البعد التوثيقي. إذ تظهر مجموعة من الأطفال في أحد شوارع المدينة، تحيط بهم نساء يحملن صغارًا، في مشهد يُرجّح أنه خلال مناسبة احتفالية كعيد أو زفاف.

وتجسد، الصورة ملامح الأزياء التقليدية لتلك المرحلة، حيث ترتدي الفتيات أجمل الثياب المزينة بالحُلي والعقود وأساور المعصم، ما يمنح انطباعًا بحيوية المجتمع وثراء تفاصيله الثقافية، ويجسد جانبًا من الهوية البصرية لمدينة شبام في تلك الحقبة.

 

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish