مقالات الرأي

شراكة على الورق..

ومن يدير المشهد

بقلم: أ.د. أحمد الشاعر باسردة

في كل مرحلة مفصلية تمر بها الشعوب، تظهر مفاهيم كبيرة تُرفع كشعارات جامعة، لكنها على أرض الواقع تتعرّض لاختبار قاسٍ يكشف مدى صدقها أو هشاشتها. ومن بين هذه المفاهيم، تبرز “الشراكة” بوصفها عنوانًا عريضًا يُفترض أن يضمن التوازن والعدالة في إدارة السلطة، غير أن التجربة في الجنوب تُظهر بوضوح أن ما يُسمّى بالشراكة لا يزال في كثير من جوانبه حبرًا على ورق، لا يعكس حقيقة التأثير ولا يلامس تطلعات الناس. فحين تكون الشراكة بلا صلاحيات حقيقية، أو بلا حضور فاعل في دوائر القرار، فإنها تتحول إلى غطاء سياسي أكثر منها إطارًا عادلًا لتقاسم المسؤولية.

المشهد اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز عليه: من يدير الواقع فعليًا؟ هل نحن أمام منظومة شراكة حقيقية تُدار بتوافق واضح، أم أمام تعددية شكلية تخفي خلفها مراكز قوى تتحكم بالقرار؟ هذا السؤال لا ينبع من فراغ، بل من تراكمات يومية يشعر بها المواطن في الجنوب، حيث تتزايد الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي، وبين الوعود المعلنة والنتائج المحققة. ومع مرور الوقت، يصبح هذا التناقض عامل ضغط مستمر يُنذر بأن استمرار الحال كما هو عليه لم يعد خيارًا قابلًا للاستدامة.

إن الإشكالية لا تكمن فقط في شكل الشراكة، بل في نتائجها أيضًا. فحين لا يلمس الناس أثرًا مباشرًا لتحسن في الخدمات أو في الاستقرار أو في فرص الحياة الكريمة، فإن الثقة تبدأ بالتآكل تدريجيًا. وهذا التآكل لا يهدد فقط فكرة الشراكة، بل يهدد الإطار العام الذي يجمع الأطراف المختلفة. الجنوب، بكل تعقيداته السياسية وتاريخه الخاص، لا يمكن أن يكون مجرد طرف ثانوي في معادلة كبرى، بل هو عنصر أساسي في أي صيغة توازن حقيقي. وإذا لم تُترجم هذه الحقيقة إلى سياسات ملموسة، فإن الفجوة ستتسع أكثر، وقد يصبح من الصعب احتواؤها لاحقًا.

وفي خضم هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعات عميقة داخل العقل السياسي الجنوبي نفسه. فالتحديات لا تُواجه فقط بانتقاد الخارج، بل أيضًا بإعادة ترتيب الداخل. الأولويات يجب أن تكون واضحة، والخطاب أكثر واقعية، والعمل أكثر تنظيمًا. الزمن لا ينتظر أحدًا، وأي تأخير في ترتيب الصفوف أو تحديد المسار قد يفتح المجال أمام الجمود، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع سياسي. الجمود لا يعني التوقف فحسب، بل يعني أيضًا تراجع القدرة على المبادرة، وفتح الباب أمام اليأس ليتسلل إلى الوعي الجمعي.

ومع ذلك، لا يمكن قراءة المشهد من زاوية التشاؤم فقط. فالتاريخ يُظهر أن الشعوب تمر بمراحل تعثر، لكنها لا تبقى فيها إلى الأبد. اللحظات الصعبة كثيرًا ما تكون مقدمة لتحولات أكبر، شرط أن تتوفر الإرادة والقدرة على العمل المشترك. الجنوب، بما يمتلكه من رصيد اجتماعي وسياسي، قادر على تجاوز التحديات إذا ما توفرت وحدة الرؤية وتكامل الجهود. ليست المسألة في حجم العقبات، بل في كيفية التعامل معها، وفي القدرة على تحويلها إلى دافع نحو إعادة البناء بدل أن تكون سببًا في التراجع.

عدن، بما تمثله من رمزية ومكانة، تبقى في قلب هذا المشهد. فهي ليست مجرد مدينة، بل مؤشر على حالة أوسع يعيشها الجنوب بأكمله. ما يحدث فيها يعكس بوضوح طبيعة المرحلة، ويكشف حجم الحاجة إلى مقاربات جديدة أكثر فاعلية. وهنا تبرز أهمية أي مساحة للحوار والتفكير المشترك، مثل “منتدى طرق الطرق” الذي يلوح في الأفق كفرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى بعيدًا عن الضجيج، وبحث الخيارات الممكنة بروح مسؤولة.

في النهاية، تبقى المعادلة واضحة: لا يمكن لأي وضع أن يستمر إلى ما لا نهاية دون مراجعة أو تصحيح. الشعوب التي تنجح هي تلك التي تدرك لحظة التحول وتتعامل معها بوعي وشجاعة. الجنوب اليوم أمام لحظة كهذه، لحظة تتطلب وضوحًا في الرؤية، وجرأة في القرار، وإيمانًا بأن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع. وبين خيار أن يبقى الواقع كما هو، أو أن يبدأ مسار جديد أكثر توازنًا، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، حيث يكون السؤال الحقيقي: هل تتحول الشراكة من ورق إلى واقع، أم تبقى مجرد عنوان لا يغيّر شيئًا في جوهر المشهد
سيكون الحضور فاعل عندما نختصر الطريق ؟

ا.د احمد الشاعر باسردة
رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish